ابن أبي الحديد
78
شرح نهج البلاغة
أعمالهم . وذكرت حسدي الخلفاء ، وإبطائي عنهم ، وبغيي عليهم ، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأما الابطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك ، إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه وسلم قالت قريش : منا أمير ، وقالت الأنصار : منا أمير ، فقالت قريش : منا محمد ، نحن أحق بالامر ، فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان ، فإذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه وسلم دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد أحق به منهم ، وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا ، فلا أدرى : أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا ، أو الأنصار ظلموا بل عرفت أن حقي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم . وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، وقطيعتي رحمه ، وتأليبي عليه فإن عثمان عمل ما قد بلغك ، فصنع الناس به ما رأيت ، وإنك لتعلم أنى قد كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى ، فتجن ( 1 ) ما بدا لك ، وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإني نظرت في هذا الامر وضربت أنفه وعينه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك لا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر ولا سهل ولا جبل ، وقد أتاني أبوك حين ولى الناس أبا بكر ، فقال : أنت أحق بمقام محمد ، وأولى الناس بهذا الامر ، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف ، ابسط يدك أبايعك ، فلم أفعل ، وأنت تعلم أن أباك قد قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت ، لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام ، فأبوك كان أعرف بحقي منك ، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرف تصب رشدك ، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك ، والسلام ( 2 )
--> ( 1 ) تجنى عليه : ادعى ذنبا لم يجنه . ( 2 ) صفين 98 - 102 .