ابن أبي الحديد

75

شرح نهج البلاغة

عنه ، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه ، وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين ( 1 ) إيواؤك قتلة عثمان ، فهم عضدك وأنصارك ، ويدك وبطانتك ، وقد ذكر لي أنك تتنصل من دمه ، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به ، ونحن أسرع الناس إليك ، وإلا فإنه ليس لك ولأصحابك إلا السيف ، والذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال ، والبر والبحر ، حتى يقتلهم الله أو لتلحقن أرواحنا بالله والسلام ( 2 ) . قال نصر ، فلما قدم أبو مسلم على علي عليه السلام بهذا الكتاب ، قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإنك قد قمت بأمر وليته ووالله ما أحب أنه لغيرك . إن أعطيت الحق من نفسك . إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما ، فادفع إلينا قتلته ، وأنت أميرنا ، فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة ، وألسنتنا لك شاهدة ، وكنت ذا عذر وحجة . فقال له علي عليه السلام : أغد على غدا ، فخذ جواب كتابك فانصرف ، ثم رجع من غد ليأخذ جواب كتابه ، فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه قبل ، فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملئوا المسجد ، فنادوا كلنا قتلة عثمان ، وأكثروا من النداء بذلك وأذن لأبي مسلم ، فدخل فدفع علي عليه السلام جواب كتاب معاوية ، فقال أبو مسلم : لقد رأيت قوما ما لك معهم أمر ، قال : وما ذاك ؟ قال بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا ، واجتمعوا ، ولبسوا السلاح ، وزعموا أنهم قتلة عثمان . فقال علي عليه السلام ، والله ما أردت أن أدفعهم إليكم طرفة عين قط ، لقد ضربت هذا الامر أنفه وعينه ، فما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ، ولا إلى غيرك . فخرج أبو مسلم بالكتاب وهو يقول الان طاب الضراب !

--> ( 1 ) ظنين : متهم . ( 2 ) صفين 97 ، 98 .