ابن أبي الحديد

68

شرح نهج البلاغة

حتى قتل ، فلما قتل انهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه ، ثم تراجعوا ، فأخذ اللواء ثابت بن أرقم ، وجعل يصيح بالأنصار ، فثاب إليه منهم قليل ، فقال لخالد بن الوليد : خذ اللواء يا أبا سليمان ، قال خالد : لا بل خذه أنت فلك سن ، وقد شهدت بدرا . قال ثابت : خذه أيها الرجل ، فوالله ما أخذته إلا لك . فأخذه خالد وحمل به ساعة ، وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير ، فانحاز بالمسلمين ، وانكشفوا راجعين . قال الواقدي : وقد روي أن خالدا ثبت بالناس فلم ينهزموا ، والصحيح أن خالدا انهزم بالناس . قال الواقدي : حدثني محمد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن النبي صلى الله عليه وآله لما التقى الناس بمؤتة جلس على المنبر ، وكشف له ما بينه وبين الشام ، فهو ينظر إلى معركتهم ، فقال أخذ الراية زيد بن حارثة ، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة ، وكره إليه الموت ، وحبب إليه الدنيا ، فقال : الان حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا ! فمضى قدما حتى استشهد ، ثم صلى عليه ، وقال : استغفروا له فقد دخل الجنة وهو يسعى ، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، فجاءه الشيطان فمناه الحياة وكره إليه الموت ، ومناه الدنيا ، فقال : الان حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تتمنى الدنيا ! ثم مضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا له ، ثم قال : استغفروا لأخيكم فإنه شهيد قد دخل الجنة ، فهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء . ثم قال : أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، ثم دخل معترضا فشق ذلك على الأنصار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أصابته الجراح . قيل يا رسول الله ، فما اعتراضه ؟ قال : لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فشجع فاستشهد ، فدخل الجنة فسرى عن قومه .