ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
قال الواقدي : وقد سمعنا في أسره غير هذا ، حدثني بكير بن مسمار ، قال : لما انصرف المشركون عن أحد نزلوا بحمراء الأسد في أول الليل ساعة ، ثم رحلوا وتركوا أبا عزة مكانه حتى ارتفع النهار ، فلحقه المسلمون وهو مستنبه يتلدد ، وكان الذي أخذه عاصم بن ثابت ، فأمره النبي صلى الله عليه وآله فضرب عنقه . قلت : وهذه الرواية هي الصحيحة عندي ، لان المسلمين لم تكن حالهم يوم أحد حال من يتهيأ له أسر أحد من المشركين في المعركة لما أصابهم من الوهن . فأما معاوية بن المغيرة فروى البلاذري أنه هو الذي جدع أنف حمزة ومثل به ، وأنه انهزم يوم أحد فمضى على وجهه ، فبات قريبا من المدينة ، فلما أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبي العاص - وهو ابن عمه لحا - فضرب بابه ، فقالت ، أم كلثوم زوجته وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله : ليس هو هاهنا ، فقال : ابعثي إليه ، فإن له عندي ثمن بعير ابتعته منه عام أول ، وقد جئته به فإن لم يجئ ذهبت فأرسلت إليه ، وهو عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما جاء قال لمعاوية : أهلكتني وأهلكت ( 1 ) نفسك ! ما جاء بك ؟ قال : يا بن عم ، لم يكن أحد أقرب إلى ولا أمس رحما بي منك ، فجئتك لتجيرني ، فأدخله عثمان داره وصيره في ناحية منها ، ثم خرج إلى النبي صلى الله عليه وآله ليأخذ له منه أمانا ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن معاوية في المدينة ، وقد أصبح بها فاطلبوه . فقال بعضهم : ما كان ليعدو منزل عثمان ، فاطلبوه به ، فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الذي صيره فيه ، فاستخرجوه من تحت حمارة لهم ، فانطلقوا به إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فقال عثمان حين رآه : والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان ، فهبه لي ، فوهبه له ، وأجله ثلاثا ،
--> ( 1 ) البلاذري : " أهلكتني ونفسك " .