ابن أبي الحديد
43
شرح نهج البلاغة
الوجه برأيي ، عصاني محمد وأطاع الولدان ! والله لكأني كنت أنظر إلى هذا ، فقال ابنه : الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير إن شاء الله . قال : وأظهرت اليهود القول السيئ ، وقالوا : ما محمد إلا طالب ملك ، ما أصيب هكذا نبي قط في بدنه وأصيب في أصحابه ، وجعل المنافقون يخذلون ( 1 ) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنه ، وقالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله : لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل ، حتى سمع عمر بن الخطاب ذلك في أماكن ، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتل من سمع ذلك منهم من اليهود والمنافقين ، فقال له : يا عمر ، إن الله مظهر دينه ومعز نبيه ، ولليهود ذمة فلا أقتلهم . قال : فهؤلاء المنافقون يا رسول الله يقولون ، فقال : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ! قال بلى ، وإنما يفعلون تعوذا من السيف ، وقد بان لنا أمرهم ، وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة ، فقال : إني نهيت عن قتل من قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله يا بن الخطاب ، إن قريشا لن ينالوا ما نالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن . ( 2 ) . وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إخوانكم لما أصيبوا بأحد جعلت أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ورأوا حسن منقلبهم قالوا : ليت إخواننا يعلمون بما أكرمنا الله وبما نحن فيه لئلا يزهدوا في الجهاد ، ويكلوا عند الحرب ! فقال لهم الله تعالى : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ( 3 ) .
--> ( 1 ) يخذلون عنه : يمنعون من نصرته . ( 2 ) استلم الركن : قبله أو لمسه بيده . ( 3 ) سدرة آل عمران 169 .