ابن أبي الحديد

292

شرح نهج البلاغة

لا يغادر واحدا ، فإن زعم ذلك زاعم فقد تعدى . وأما اختصاص محمد بن علي بالوصية والخلافة دون إخوته ، فقد علمتم أن وراثة السيادة والمرتبة ليس من جنس وراثة الأموال ، ألا ترى أن المرأة والصبي والمجنون يرثون الأموال ولا يرثون المراتب ! وسواء في الأموال ، كان الابن حارضا ( 1 ) بائرا ، أو بارعا جامعا . وقيل : وراثة المقام سبيل وراثة اللواء ، دفع رسول الله صلى الله عليه وآله لواء بنى عبد الدار إلى مصعب بن عمير ، ودفع عمر بن الخطاب لواء بنى تميم إلى وكيع بن بشر ، ثم دفعه إلى الأحنف حين لم يوجد في بنى زرارة من يستحق وراثة اللواء ، فإن كان الامر بالسن فإنما كان بين محمد بن علي وأبيه علي بن عبد الله أربع عشرة سنة ، كان علي يخضب بالسواد ، ومحمد يخضب بالحمرة ، فكان القادم يقدم عليهما ، والزائر يأتيهما ، فيظن أكثرهم أن محمدا هو على ، وأن عليا هو محمد ، حتى ربما قيل لعلي : كيف أصبح الشيخ من علته ؟ ومتى رجع الشيخ إلى منزله ؟ وأخرى أن أمه كانت العالية بنت عبد الله بن العباس ، فقد ولده العباس مرتين ، وولده جواد بنى العباس كما والده خيرهم وحبرهم ، ولم يكن لأحد من إخوته مثل ذلك . وكان بعض ولد محمد أسن من عامة ولد علي ، وولد محمد المهدى بن عبد الله المنصور والعباس بن محمد بن علي في عام واحد ، وكذلك محمد بن سليمان بن علي ، ولم يكن لأحد من ولد علي بن عبد الله بن العباس - وإن كانوا فضلاء نجباء كرماء نبلاء - مثل عقله ولا كجماله ، كان إذا دخل المدينة ومكة جلس الناس على أبواب دورهم والنساء على سطوحهن للنظر إليه ، والتعجب من كماله وبهائه ، وقد قاتل إخوته أعداءه في دفع الملك إلى ولده غير مكرهين ولا مجبرين ، على أن محمدا إنما أخذ الامر عن أساس مؤسس ، وقاعدة مقررة ، ووصية انتقلت إليه من أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وأخذها أبو هاشم عن أبيه محمد ، وأخذها محمد عن علي بن أبي طالب أبيه .

--> ( 1 ) الحارض : الفاسد .