ابن أبي الحديد

273

شرح نهج البلاغة

وكان الناس يجتمعون ليستمعوا محاورتهما ، وكان سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي والي مكة ، فكان أهل مكة يقولون لم يرد علينا أمير إلا وسليمان أبين منه قاعدا ، وأخطب منه قائما . وكان داود إذا خطب اسحنفر ( 1 ) فلم يرده شئ . قالوا : ولنا عبد الملك بن صالح بن علي ، كان خطيبا بليغا وسأله الرشيد - وسليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر حاضران - فقال له : كيف رأيت أرض كذا ؟ قال : مسافي ريح ، ومنابت شيح . قال : فأرض كذا ، قال : هضبات ( 2 ) حمر ، وربوات ( 3 ) عفر ، حتى أتى على جميع ما سأله عنه ، فقال عيسى لسليمان : والله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام . قالوا : وأما ما ذكرتم من نساك الملوك ، فلنا علي بن أبي طالب عليه السلام ، وبزهده وبدينه يضرب المثل ، ولنا محمد بن الواثق من خلفاء بنى العباس ، وهو الملقب بالمهتدي ، كان يقول : إني لآنف لبني العباس ألا يكون منهم مثل عمر بن عبد العزيز ، فكان مثله وفوقه ، ولنا القادر أبو العباس بن إسحاق بن المقتدر ، ولنا القائم عبد الله بن القادر ، كانا على قدم عظيمة من الزهد والدين والنسك ، وإن عددتم النساك من غير الملوك فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين ! وأين أنتم عن علي بن عبد الله بن العباس ! وأين أنتم عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، الذي كان يقال له : علي الخير ، وعلى الأغر ، وعلي العابد ، وما أقسم على الله بشئ إلا وأبر قسمه ! وأين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد ! وأين أنتم عن علي بن محمد الرضا ، لابس الصوف طول عمره ، مع سعة أمواله ، وكثرة ضياعه وغلاته !

--> ( 1 ) اسحنفر الرجل في منطقه : مضى فيه . ( 2 ) الهضبات : جمع هضبة ، وهي الجبل الطويل الممتنع ، ولا يكون ذلك إلا في حمر الجبال . ( 3 ) الربوات ، جمع ربوة ، وهي أعلى الجبل .