ابن أبي الحديد
247
شرح نهج البلاغة
قالوا : خطبنا عبد الله بن عباس خطبة بمكة أيام حصار عثمان لو شهدها الترك والديلم لأسلموا . وفي عبد الله بن العباس يقول حسان بن ثابت : إذا قال لم يترك مقالا لقائل * بملتقطات لا ترى بينها فضلا شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع * لذي إربة في القول جدا ولا هزلا وهو البحر ، وهو الحبر ، وكان عمر يقول له في حداثته عند إجالة الرأي : غص يا غواص ( 1 ) ، وكان يقدمه على جلة السلف . قلت : أبى أبو عثمان إلا إعراضا عن علي عليه السلام ، هلا قال فيه كما قال في عبد الله ! فلعمري لو أراد لوجد مجالا ، ولألفى قولا وسيعا ، وهل تعلم الناس الخطب والعهود والفصاحة إلا من كلام علي عليه السلام ! وهل أخذ عبد الله رحمه الله الفقه وتفسير القرآن إلا عنه ! فرحم الله أبا عثمان ، لقد غلبت البصرة وطينتها على إصابة رأيه ! قال أبو عثمان : وإن كان الفخر في البسالة والنجدة وقتل الاقران وجزر الفرسان ، فمن كحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ! وكان الأحنف إذا ذكر حمزة قال : أكيس ، وكان لا يرضى أن يقول : شجاع ، لان العرب كانت تجعل ذلك أربع طبقات ، فتقول : شجاع ، فإذا كان فوق ذلك قالت : بطل ، فإذا كان فوق ذلك قالت : بهمة ، فإذا كان فوق ذلك قالت : أكيس . وقال العجاج : * أكيس عن حوبائه سخي * وهل أكثر ما يعد الناس من جرحاهما وصرعاهما إلا سادتكم وأعلامكم ! قتل حمزة وعلي عليه السلام عتبة والوليد ، وقتلا شيبة أيضا ، شركا عبيدة بن الحارث فيه ، وقتل علي عليه السلام حنظلة بن أبي سفيان ، فأما آباء ملوككم من بني مروان فإنهم كما قال
--> ( 1 ) يريد أنه درب بالأمور ، عارف بدقيقها وجليلها .