ابن أبي الحديد
230
شرح نهج البلاغة
بني هاشم ، فإنهم لا يجهلون ما علموا ، ولا يجد مبغضهم لهم سبا ، قال : " إما قوله : أبحرب الذي أجرناه " ، فإن قريشا كانت إذا سافرت فصارت على العقبة لم يتجاوزها أحد حتى تجوز قريش ، فخرج حرب ليلة فلما صار على العقبة ، لقيه رجل من بنى حاجب بن زرارة تميمي فتنحنح حرب بن أمية ، وقال : أنا حرب بن أمية ، فتنحنح التميمي وقال : أنا ابن حاجب بن زرارة ، ثم بدر فجاز العقبة ، فقال حرب : لاها الله لا تدخل بعدها مكة وأنا حي ! فمكث التميمي حينا لا يدخل ، وكان متجره بمكة ، فاستشار بها بمن يستجير من حرب ، فأشير عليه بعبد المطلب أو بابنه الزبير بن عبد المطلب . فركب ناقته وصار إلى مكة ليلا ، فدخلها وأناخ ناقته بباب الزبير بن عبد المطلب ، فرغت ( 1 ) الناقة ، فخرج إليه الزبير فقال : أمستجير فتجار ، أم طالب قرى فتقرى ! فقال : لاقيت حربا بالثنية مقبلا * والليل أبلج نوره للساري فعلا بصوت واكتنى ليروعني * ودعا بدعوة معلن وشعار فتركته خلفي وجزت أمامه * وكذاك كنت أكون في الاسفار فمضى يهددني ويمنع مكة * ألا أحل بها بدار قرار فتركته كالكلب ينبح وحده * وأتيت قرم مكارم وفخار ( 2 ) ليثا هزبرا يستجار بقربه * رحب المباءة مكرما للجار ( 3 ) وحلفت بالبيت العتيق وحجه * وبزمزم والحجر والأستار إن الزبير لمانعي بمهند * صافي الحديدة صارم بتار فقال الزبير : إذهب إلى المنزل فقد أجرتك . فلما أصبح نادى الزبير أخاه الغيداق ،
--> ( 1 ) يقال : رغت الناقة ترغو رغاء : صوتت وضجت . وفي المثل : " كفى برغائها مناديا " ، أي أن رغاء الناقة يقوم مقام النداء في التعرض للضيافة والقرى . ( 2 ) القرم من الرجال : السيد المعظم . ( 3 ) الهزبر : الأسد ، والمباءة : المراح الذي تبيت فيه الإبل .