ابن أبي الحديد
228
شرح نهج البلاغة
أو ابن عمر بينك وبينه . قال : قد جعلتك بيني وبينه ، أو جعلت ابن عمر أو جعلتكما جميعا . قال أو تقر له بحقه ثم تسأله إياه . قال : قد أقررت له بحقه وأنا أسأله إياه ، قال : أو تشريه منه ، قال : قد اشتريته منه ، فما الصيلم ؟ قال : يهتف بحلف الفضول ، وأنا أول من يجيبه . قال : فلا حاجة لنا في ذلك . وبلغ الكلام عبد الله بن أبي بكر والمسور بن مخرمة فقالا للحسين مثل ما قاله ابن الزبير . فأما تفجر الماء من تحت أخفاف بعير عبد المطلب في الأرض الجرز فقد ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة ، قال : لما أنبط ( 1 ) عبد المطلب الماء في زمزم حسدته قريش ، فقالت له ، يا عبد المطلب ، إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك . قال : ما أنا بفاعل ، إن هذا الامر أمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم ، قالوا له : فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها ، قال : فاجعلوا بيني وبينكم حكما أحاكمكم إليه ، قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم ، قال : نعم ، وكانت بأشراف الشام ، فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف ، وخرج من كل قبيلة من قبائل قريش قوم ، والأرض إذ ذاك مفاوز ( 2 ) ، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام نفد ما كان مع عبد المطلب وبنى أبيه من الماء فعطشوا عطشا شديدا ، فاستسقوا قومهم ، فأبوا أن يسقوهم ، وقالوا : نحن بمفازة ونخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم . فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وخاف على نفسه وأصحابه الهلاك ، قال لأصحابه : ما ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فمرنا بما أحببت ، قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منا حفرة لنفسه بما معه الان من القوة ، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ، حتى يكون رجل واحد ، فضيعة
--> ( 1 ) أنبط الماء : استخرجه وطلبه . ( 2 ) المفاوز : جمع مفازة ، وهي البرية القفر ، أو التي لا ماء فيها ، وسميت مفازة لان من خرج منها وتباعد عنها فاز وغنم .