ابن أبي الحديد
218
شرح نهج البلاغة
هلك الناس ، ودفنته السيول . ثم أري عبد المطلب في المنام أن احفر زمزم لا تثرب ( 1 ) ولا تذم ، تروي الحجيج الأعظم . ثم أرى مرة أخرى أن احفر الرواء ، أعطيتها على رغم الأعداء . ثم أري مرة أخرى ، أن احفر تكتم ، بين الأنصاب الحمر ، في قرية النمل . فأصبح يحفر حيث أري . فطفقت قريش يستهزئون به ، حتى إذا بدا عن الطي وجد فيها غزالا من ذهب ، وحلية سيف ، فضرب عليها بالسهام ، فخرج سهم البيت ، فكان أول حلي حلى به الكعبة . قال الزبير : وكان حرب بن أمية بن عبد شمس نديم عبد المطلب ، وكان عبيد بن الأبرص تربه ، وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة ، وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنه . قال : وقال بعض أهل العلم : توفي عبد المطلب عن خمس وتسعين سنة ، ويقال : كان يعرف في عبد المطلب نور النبوة ، وهيبة الملك ، وفيه يقول الشاعر : إنني واللات والبيت الذي * لز بالهبرز عبد المطلب ( 2 ) قال الزبير : حدثني عمي مصعب بن عبد الله ، قال : بينا عبد المطلب يطوف بالبيت بعد ما أسن وذهب بصره ، إذ زحمه رجل ، فقال : من هذا ؟ فقيل : رجل من بنى بكر . قال : فما منعه أن ينكب عني وقد رآني لا أستطيع لان أنكب عنه ! فلما رأى بنيه قد توالوا عشرة قال : لا بد لي من العصا ، فان اتخذتها طويلة شقت علي ، وإن اتخذتها قصيرة قويت عليها ، ولكن ينحدب لها ظهري ، والحدبة ذل ، فقال بنوه : أو غير ذلك ؟ يوافيك كل يوم منا رجل تتوكأ عليه فتطوف في حوائجك . قال : ولذلك قال الزبير : ومكارم عبد المطلب أكثر من أن يحاط بها ، كان سيد قريش غير مدافع نفسا وأبا وبيتا وجمالا وبهاء وكمالا وفعالا ، قال أحد بني كنانة يمدحه :
--> ( 1 ) لا تثرب عليه : لا تمنعه . ( 2 ) الهبرز : الأسد .