ابن أبي الحديد
194
شرح نهج البلاغة
قوله : " ولا تمجها آذان السامعين " أي لا تقذفها يقال : مج الرجل من فيه ، أي قذفه ، قوله عليه السلام : " فدع عنك من مالت به الرمية " ، يقال للصيد : يرمي هذه الرمية ، وهي " فعيلة " بمعنى مفعولة ، والأصل في مثلها ألا تلحقها الهاء ، نحو كف خضيب ، وعين كحيل ، إلا أنهم أجروها مجرى الأسماء لا النعوت ، كالقصيدة والقطيعة . والمعنى : دع ذكر من مال إلى الدنيا ومالت به ، أي أمالته إليها . فإن قلت : فهل هذا إشارة إلى أبى بكر وعمر ؟ قلت : ينبغي أن ينزه أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك ، وأن تصرف هذه الكلمة إلى عثمان ، لان معاوية ذكره في كتابه وقد أوردناه ، وإذا أنصف الانسان من نفسه علم أنه عليه السلام لم يكن يذكرهما بما يذكر به عثمان ، فإن الحال بينه وبين عثمان كانت مضطربة جدا . قال عليه السلام : " فإنا صنائع ربنا ، والناس بعد صنائع لنا " ، هذا كلام عظيم ، عال على الكلام ، ومعناه عال على المعاني ، وصنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره . يقول : ليس لأحد من البشر علينا نعمة ، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا ، فليس بيننا وبينه واسطة ، والناس بأسرهم صنائعنا ، فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى ، وهذا مقام جليل ظاهره ما سمعت ، وباطنه أنهم عبيد الله ، وأن الناس عبيدهم . ثم قال : " لم يمنعنا قديم عزنا ، وعادي طولنا " ، الطول : الفضل . وعادي أي قديم ، بئر عادية . قوله : " على قومك أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ، ولستم هناك " ، يقول : تزوجنا فيكم وتزوجتم فينا كما يفعل الأكفاء ، ولستم أكفاءنا . وينبغي أن يحمل قوله : " قديم وعادى " على مجازه لا على حقيقته ، لان بني هاشم وبني أمية لم يفترقا في الشرف إلا مذ نشأ هاشم بن عبد مناف وعرف بأفعاله ومكارمه ، ونشأ حينئذ أخوه عبد شمس وعرف بمثل ذلك ، وصار لهذا بنون ولهذا بنون وادعى كل من الفريقين