ابن أبي الحديد
181
شرح نهج البلاغة
( 28 ) الأصل : ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا ، وهو من محاسن الكتب : أما بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله عليه وآله لدينه ، وتأييده إياه لمن أيده من أصحابه ، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله تعالى عندنا ، ونعمته علينا في نبينا ، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر ، أو داعي مسدده إلى النضال . وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان ، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله ، وإن نقص لم يلحقك ثلمه . وما أنت والفاضل والمفضول ، والسائس والمسوس ! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين ، وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم ! هيهات لقد حن قدح ليس منها ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ! ألا تربع أيها الانسان على ظلعك ، وتعرف قصور ذرعك ، وتتأخر حيث أخرك القدر ! فما عليك غلبة المغلوب ، ولا ظفر الظافر ، فإنك لذهاب في التيه ، رواغ عن القصد . ألا ترى - غير مخبر لك ، ولكن بنعمة الله أحدث - إن قوما استشهدوا في سبيل الله تعالى من المهاجرين والأنصار ، ولكل فضل ، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل : سيد الشهداء ، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه !