ابن أبي الحديد
177
شرح نهج البلاغة
( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) ( 1 ) ، ويستهوي أهل الجهالة ، ويموه لأهل الغباوة بمكره وبغيه اللذين قدم رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر عنهما ، فقال لعمار بن ياسر : " تقتلك الفئة الباغية ، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار " ، مؤثرا للعاجلة ، كافرا بالآجلة ، خارجا من ربقة ( 2 ) الاسلام ، مستحلا للدم الحرام ، حتى سفك في فتنته ، وعلى سبيل غوايته وضلالته ما لا يحصى عدده من أخيار المسلمين ، الذابين عن دين الله والناصرين لحقه ، مجاهدا في عداوة الله ، مجتهدا في أن يعصى الله فلا يطاع ، وتبطل أحكامه فلا تقام ، ويخالف دينه . فلا بد وأن تعلو كلمة الضلال وترتفع دعوة الباطل ، وكلمة الله هي العليا ، ودينه المنصور ، وحكمه النافذ ، وأمره الغالب وكيد من عاداه وحاده المغلوب الداحض ، حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما تبعها ، وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها ، وسن سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها ، وأباح المحارم لمن ارتكبها ، ومنع الحقوق أهلها ، وغرته الآمال ، واستدرجه الامهال . وكان مما أوجب الله عليه به اللعنة قتله من قتل صبرا من خيار الصحابة والتابعين ، وأهل الفضل والدين ، مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي الكندي ، فيمن قتل من أمثالهم ، على أن تكون له العزة والملك والغلبة ، ثم ادعاؤه زياد بن سمية أخا ، ونسبته إياه إلى أبيه ، والله تعالى يقول : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) ( 4 ) ، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " ملعون من ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه " . وقال : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، فخالف حكم الله تعالى ورسوله جهارا ، وجعل الولد لغير الفراش والحجر لغير العاهر ، فأحل بهذه الدعوة من محارم الله ورسوله في أم حبيبه أم المؤمنين وفي غيرها من النساء من شعور ووجوه قد
--> ( 1 ) سورة التوبة 32 . ( 2 ) الربقة : الواحدة من العرى التي في الحبل . ( 3 ) صبرا ، أي حبسا . ( 4 ) سورة الأحزاب 5 .