ابن أبي الحديد

174

شرح نهج البلاغة

ونصح لهم وأرشدهم ، فكان من استجاب له ، وصدق قوله ، واتبع أمره نفير ( 1 ) يسير من بني أبيه ، من بين مؤمن بما أتى به من ربه ، وناصر لكلمته وإن لم يتبع دينه إعزازا له ، وإشفاقا عليه ، فمؤمنهم مجاهد ببصيرته ، وكافرهم مجاهد بنصرته وحميته ، يدفعون من نابذه ، ويقهرون من عازه وعانده ، ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده ، ويبايعون من سمح بنصرته ، ويتجسسون أخبار أعدائه ، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين ، حتى بلغ المدى ، وحان وقت الاهتداء ، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله والايمان به بأثبت بصيرة ، وأحسن هدى ورغبة ، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة ، وأهل بيت الدين ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . معدن الحكمة ، وورثة النبوة ، وموضع الخلافة . أوجب الله لهم الفضيلة ، وألزم العباد لهم الطاعة . وكان ممن عانده وكذبه وحاربه من عشيرته العدد الكثير والسواد الأعظم ، يتلقونه بالضرر والتثريب ( 2 ) ، ويقصدونه بالأذى والتخويف ، وينابذونه بالعداوة ، وينصبون له المحاربة ويصدون من قصده ، وينالون بالتعذيب من اتبعه ، وكان أشدهم في ذلك عداوة ، وأعظمهم له مخالفة ، أولهم في كل حرب ومناصبة ، ورأسهم في كل إجلاب وفتنة ، لا يرفع على الاسلام راية ، إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها ، أبا سفيان بن حرب صاحب أحد والخندق وغيرهما ، وأشياعه من بنى أمية الملعونين في كتاب الله ، ثم الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله في مواطن عدة ، لسابق علم الله فيهم ، وماضي حكمه في أمرهم ، وكفرهم ونفاقهم . فلم يزل لعنه الله يحارب مجاهدا ، ويدافع مكايدا ، ويجلب منابذا ، حتى قهره السيف ، وعلا أمر الله وهم كارهون ، فتعوذ بالاسلام غير منطو عليه ، وأسر الكفر غير مقلع عنه ، فقبله وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم . ثم أنزل الله

--> ( 1 ) الطبري : " نفر " . ( 2 ) التثريب : " العتاب واللوم " .