ابن أبي الحديد

162

شرح نهج البلاغة

قلت : أما أبو حنيفة فإنه يقول : الآية قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة فهي مختصة بها لا تتجاوزها إلى غيرها ، كأنه تعالى قال : إنما هي لهم لا لغيرهم ، كقولك : إنما الخلافة لقريش ، فيجوز أن تصرف الصدقة إلى الأصناف كلها ، ويجوز أن تصرف إلى بعضها ، وهو مذهب ابن عباس وحذيفة وجماعة من الصحابة والتابعين . وأما الشافعي فلا يرى صرفها إلا إلى الأصناف المعدودة كلها ، وبه قال الزهري وعكرمة . فإن قلت : فمن الغارم وابن السبيل ؟ قلت : الغارمون الذين ركبتهم الديون ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب . وقيل : هم الذين يحملون الحمالات فدينوا فيها وغرموا ، وابن السبيل : المسافر المنقطع عن ماله ، فهو - وإن كان غنيا حيث ماله موجود - فقير حيث هو بعيد . وقد سبق تفسير الفقير والمسكين فيما تقدم . قوله : " فقد أحل بنفسه الذل والخزي " ، أي جعل نفسه محلا لهما ، ويروى : " فقد أخل بنفسه " بالخاء المعجمة ، ولم يذكر الذل والخزي أي جعل نفسه مخلا ، ومعناه جعل نفسه فقيرا ، يقال : خل الرجل : إذا افتقر ، وأخل به غيره ، وبغيره أي جعل غيره فقيرا ، وروي : " أحل " بنفسه بالحاء المهملة ، ولم يذكر " الذل والخزي " . ومعنى " أحل بنفسه " أباح دمه ، والرواية الأولى أصح ، لأنه قال بعدها : " وهو في الآخرة أذل وأخزى " . وخيانة الأمة : مصدر مضاف إلى المفعول به ، لان الساعي إذا خان فقد خان الأمة كلها ، وكذلك غش الأئمة ، مصدر مضاف إلى المفعول أيضا ، لان الساعي إذا غش في الصدقة فقد غش الامام .