ابن أبي الحديد

160

شرح نهج البلاغة

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " لا ترفعوني فوق قدري فتقولوا في ما قالت النصارى في ابن مريم ، فإن الله عز وجل اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا " . ثم قال : إن أرباب الأموال الذين تجب الصدقة عليهم في أموالهم إخوانك في الدين ، وأعوانك على استخراج الحقوق ، لان الحق إنما يمكن العامل استيفاؤه بمعاونة رب المال واعترافه به ، ودفعه إليه ، فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجز لك عضههم وجبههم وادعاء الفضل عليهم . ثم ذكر أن لهذا العامل نصيبا مفروضا من الصدقة ، وذلك بنص الكتاب العزيز ، فكما نوفيك نحن حقك يجب عليك أن توفي شركائك حقوقهم ، وهم الفقراء والمساكين والغارمون وسائر الأصناف المذكورة في القرآن ، وهذا يدل على أنه عليه السلام قد فوضه في صرف الصدقات إلى الأصناف المعلومة ، ولم يأمره بأن يحمل ما اجتمع إليه ليوزعه هو عليه السلام على مستحقيه كما في الوصية الأولى ، ويجوز للامام أن يتولى ذلك بنفسه ، وأن يكله إلى من يثق به من عماله . وانتصب " أهل مسكنة " لأنه صفة " شركاء " وفي التحقيق أن " شركاء " صفة أيضا موصوفها محذوف ، فيكون صفة بعد صفة . وقال الراوندي : انتصب " أهل مسكنة " لأنه بدل من " شركاء " ، وهذا غلط ، لأنه لا يعطي معناه ليكون بدلا منه . وقال أيضا : بؤسى ، أي عذابا وشدة ، فظنه منونا وليس كذلك ، بل هو بؤسى على وزن " فعلى " كفضلى ونعمى ، وهي لفظة مؤنثة ، يقال بؤسى لفلان ، قال الشاعر : أرى الحلم بؤسى للفتى في حياته * ولا عيش إلا ما حباك به الجهل .