ابن أبي الحديد

151

شرح نهج البلاغة

( 25 ) الأصل ومن وصيه له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات ، وإنما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنه عليه السلام كان يقيم عماد الحق ، ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها ، ودقيقها وجليلها : انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ، ولا تروعن مسلما ، ولا تجتازن عليه كارها ، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله ، فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ، ثم امض إليهم بالسكينة والوقار ، حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم . ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول : عباد الله ، أرسلني إليكم ولى الله وخليفته لاخذ منكم حق الله في أموالكم ، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه ! فإن قال قائل : لا ، فلا تراجعه ، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده ، أو تعسفه أو ترهقه ، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة ، فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه ، فإن أكثرها له ، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ، ولا عنيف به . ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ، ولا تسوءن صاحبها فيها . واصدع المال صدعين ثم خيره ، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره . ثم اصدع الباقي صدعين ، ثم خيره ، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره ، فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله ، فاقبض حق الله منه .