ابن أبي الحديد

144

شرح نهج البلاغة

فلم يبق شئ بعد ذلك يقول فيه : أقيموا هذين العمودين وخلاكم ذم ، لان سنة النبي صلى الله عليه وآله فعل كل واجب . وتجنب كل قبيح ، فخلاهم ذم فماذا يقال ؟ والجواب أن كثيرا من الصحابة كلفوا أنفسهم أمورا من النوافل شاقة جدا ، فمنهم من كان يقوم الليل كله ، ومنهم من كان يصوم الدهر كله ، ومنهم المرابط في الثغور ، ومنهم المجاهد مع سقوط الجهاد عنه لقيام غيره به ، ومنهم تارك النكاح ، ومنهم تارك المطاعم والملابس ، وكانوا يتفاخرون بذلك ، ويتنافسون فيه ، فأراد عليه السلام أن يبين لأهله وشيعته وقت الوصية أن المهم الأعظم هو التوحيد ، والقيام بما يعلم من دين محمد صلى الله عليه وآله أنه واجب ، ولا عليكم بالاخلال بما عدا ذلك ، فليت من المائة واحدا نهض بذلك ، والمراد ترغيبهم بتخفيف وظائف التكاليف عنهم ، فإن الله تعالى يقول : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ( 1 ) . وقال صلى الله عليه وآله : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " . قوله : " وخلاكم ذم " : لفظة تقال على سبيل المثل أي قد أعذرتم ، وسقط عنكم الذم . ثم قسم أيامه الثلاثة أقساما فقال : أنا بالأمس صاحبكم أي كنت أرجى وأخاف ، وأنا اليوم عبرة لكم ، أي عظة تعتبرون بها . وأنا غدا مفارقكم ، أكون في دار أخرى غير داركم . ثم ذكر أنه إن بقي ولم يمت من هذه الضربة فهو ولي دمه إن شاء عفا ، وإن شاء اقتص ، وإن لم يبق فالفناء الموعد الذي لا بد منه . ثم عاد فقال : وإن أعف ، والتقسيم ليس على قاعدة تقسيم المتكلمين . والمعنى منه مفهوم ، وهو إما أن أسلم من هذه الضربة أو لا أسلم ، فإن سلمت منها فأنا ولي دمي ، إن شئت عفوت فلم أقتص ، وإن شئت اقتصصت ، ولا يعنى بالقصاص هاهنا القتل ، بل ضربة بضربة ، فإن سرت إلى النفس كانت السراية مهدرة كقطع اليد .

--> ( 1 ) سورة البقرة 185 .