ابن أبي الحديد

141

شرح نهج البلاغة

( 22 ) بقدوم الشتاء وإن كان لا بد من قدومه ، والمحموم غبا ( 1 ) يساء بتجدد نوبة الحمى ، وإن كان لا بد من تجددها ! فليس سبب الاختيار في الافعال مما يوجب أن لا يسر الانسان ولا يساء بشئ منها . والجواب ينبغي أن يحمل هذا الكلام على أن الانسان ينبغي أن لا يعتقد في الرزق أنه أتاه بسعيه وحركته فيفرح معجبا بنفسه ، معتقدا أن ذلك الرزق ثمرة حركته واجتهاده ، وكذلك ينبغي ألا يساء بفوات ما يفوته من المنافع لائما نفسه في ذلك ناسبا لها إلى التقصير وفساد الحيلة والاجتهاد ، لان الرزق هو من الله تعالى لا أثر للحركة فيه ، وإن وقع عندها ، وعلى هذا التأويل ينبغي أن يحمل قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) ( 2 ) . من النظم الجيد الروحاني في صفة الدنيا والتحذير منها والوصاة بترك الاغترار بها ، والعمل لما بعدها ، ما أورده أبو حيان في كتاب " الإشارات الإلهية " ولم يسم قائله : دار الفجائع والهموم ودار * البث والأحزان والبلوى مر المذاقة غب ما احتلبت * منها يداك وبية المرعى بينا الفتى منها بمنزلة * إذ صار تحت ترابها ملقى تقفو مساويها محاسنها * لا شئ بين النعي والبشري ولقل يوم ذر شارقه * إلا سمعت بهالك ينعى لا تعتبن على الزمان لما * يأتي به فلقلما يرضى

--> ( 1 ) الغب من الحمى : ما تأخذ يوما وتدع يوما . ( 2 ) سورة الحديد 22 ، 23 .