ابن أبي الحديد
106
شرح نهج البلاغة
وبركته ، فامضوا بتأييد الله ونصره ، أوصيكم بتقوى الله ، ولزوم الحق والصبر ، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين . ولا تجبنوا عند اللقاء ، ولا تمثلوا عند الغارة ، ولا تسرفوا عند الظهور ، ولا تقتلوا هرما ، ولا امرأة ، ولا وليدا ، وتوقوا أن تطأوا هؤلاء عند التقاء الزحفين وعند حمة النهضات وفي شن الغارات ، ولا تغلوا عند الغنائم ، ونزهوا الجهاد عن غرض الدنيا ، وأبشروا بالأرباح في البيع الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم . واستشار قوم أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم ، فقال : أقلوا الخلاف على أمرائكم ، واثبتوا ، فإن أحزم الفريقين الركين ( 1 ) ، ورب عجلة تهب ( 2 ) ريثا . وكان قيس بن عاصم المنقري إذا غزا شهد معه الحرب ثلاثون من ولده يقول لهم : إياكم والبغي ، فإنه ما بغى قوم قط إلا ذلوا ، قالوا : فكان الرجل من ولده يظلم فلا ينتصف مخافة الذل . قال أبو بكر يوم حنين : لن نغلب اليوم من قلة - وكانوا اثنى عشر ألفا - فهزموا يومئذ هزيمة قبيحة ، وأنزل الله تعالى قوله : " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ) ( 3 ) . وكان يقال : لا ظفر مع بغي ، ولا صحة مع نهم ، ولا ثناء مع كبر ، ولا سؤدد مع شح .
--> ( 1 ) الركين : العزيز الممتنع . ( 2 ) الريث : الابطاء ، وهو مثل . ( 3 ) سورة التوبة 25 .