ابن أبي الحديد

92

شرح نهج البلاغة

وارتئوا آراءكم ، فوالله ما أرى من عدد ولا كراع ولا حلقة ( 1 ) . فأجمع القوم أمرهم ، فبعثوا ضمضم بن عمرو ، وكان في العير ، وقد كانت قريش مرت به وهو بالساحل ، معه بكران ، فاستأجروه بعشرين مثقالا ، وأمره أبو سفيان أن يخبر قريشا أن محمدا قد عرض لعيرهم ، وأمره أن يجدع بعيره إذا دخل ، ويحول رحله ، ويشق قميصه من قبله ودبره ، ويصيح الغوث الغوث ويقال إنما بعثوه من تبوك ، وكان في العير ثلاثون رجلا من قريش ، فيهم عمرو بن العاص ، ومخرمة بن نوفل . قال الواقدي : وقد كانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت قبل مجئ ضمضم بن عمرو رؤيا أفزعتها ، وعظمت في صدرها ، فأرسلت إلى أخيها العباس ، فقالت يا أخي ، لقد والله رأيت رؤيا أفزعتني ( 2 ) ، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم على ما أحدثك منها ، رأيت راكبا اقبل على بعير حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته يا آل غدر ، انفروا إلى مصارعكم في ثلاث ، فصرخ بها ثلاث مرات ، فأرى الناس اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد ، والناس يتبعونه إذ مثل به بعيره على ظهر الكعبة ، فصرخ مثلها ثلاثا ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس ، فصرخ بمثلها ثلاثا ، ثم أخذ صخرة من أبى قبيس فأرسلها ، فأقبلت تهوى ، حتى إذا كانت في أسفل الجبل أرفضت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلته منها فلذة ( 3 ) . قال الواقدي : وكان عمرو بن العاص يحدث بعد ذلك فيقول لقد رأيت كل هذا ، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبى قبيس ، ولقد كان ذلك عبرة ، ولكن الله لم يرد أن نسلم يومئذ ، لكنه أخر إسلامنا إلى ما أراد . قلت كان بعض أصحابنا يقول لم يكف عمرا أن يقول رأيت الصخرة في دور مكة عيانا ، فيخرج ذلك مخرج الاستهزاء باطنا على وجه النفاق واستخفافه بعقول المسلمين

--> ( 1 ) الحلقة هنا : السلاح . ( 2 ) الواقدي : ( أفظعتها ) . ( 3 ) الفلذة : القطعة من الحجارة .