ابن أبي الحديد

43

شرح نهج البلاغة

من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان : ( أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ، ورسالة محبرة ، نمقتها بضلالك ، وأمضيتها بسوء رأيك ، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ، ولا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتبعه ، فهجر لاغطا ، وضل خابطا ، فاما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها ، وأستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالاثم ، وأما تحذيرك إياي أن يحبط عملي وسابقتي في الاسلام ، فلعمري لو كنت الباغي عليك ، لكان لك أن تحذرني ذلك ، ولكني وجدت الله تعالى يقول : ( فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ) ( 1 ) فنظرنا إلى الفئتين ، أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها ، لان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة وأنت أمير لعمر على الشام ، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر وهو أمير لأبي بكر على الشام . وأما شق عصا هذه الأمة فانا أحق أن أنهاك عنه . فاما تخويفك لي من قتل أهل البغي ، فان رسول الله صلى الله عليه وآله امرني بقتالهم وقتلهم ، وقال لأصحابه : ( إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ) ، وأشار إلى وأنا أولى من أتبع امره . وأما قولك أن بيعتي لم تصح لان أهل الشام لم يدخلوا فيها كيف وإنما هي بيعة واحدة ، تلزم الحاضر والغائب ، لا يثنى فيها النظر ، ولا يستأنف فيها الخيار ، الخارج منها طاعن ، والمروي فيها مداهن . فأربع على ظلعك ، وانزع سربال غيك ، واترك ما لا جدوى له عليك ، فليس لك عندي إلا السيف ، حتى تفئ إلى أمر الله صاغرا ، وتدخل في البيعة راغما . والسلام ) .

--> ( 1 ) سورة الحجرات 9 .