ابن أبي الحديد
34
شرح نهج البلاغة
ولا جعله لك أكلا ، ولكنه أمانة في يدك وعنقك للمسلمين ، وفوقك سلطان أنت له رعية فليس لك أن تفتات في الرعية الذين تحت يدك ، يقال افتات فلان على فلان ، إذا فعل بغير إذنه ما سبيله أن يستأذنه فيه ، وأصله من الفوت وهو السبق ، كأنه سبقه إلى ذلك الامر . وقوله ( ولا تخاطر إلا بوثيقة ) ، أي لا تقدم على أمر مخوف فيما يتعلق بالمال الذي تتولاه إلا بعد أن تتوثق لنفسك ، يقال أخذ فلان بالوثيقة في أمره ، أي احتاط . ثم قال له : ( ولعلي لا أكون شر ولاتك ) ، وهو كلام يطيب به نفسه ويسكن به جأشه ، لان في أول الكلام إيحاشا له ، إذ كانت ألفاظه تدل على أنه لم يره أمينا على المال ، فاستدرك ذلك بالكلمة الأخيرة ، أي ربما تحمد خلافتي وولايتي عليك ، وتصادف منى إحسانا إليك ، أي عسى ألا يكون شكرك لعثمان ومن قبله أكثر من شكرك لي ، وهذا من باب وعدك الخفي ، وتسمية العرب الملث . وأول هذا الكتاب : ( من عبد الله على أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس . أما بعد ، فلو لا هنات وهنات كانت منك ، كنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ، ولعل أمرا كان يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله عز وجل ، وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد علمت ، وكان من أمر طلحة والزبير ما قد بلغك ، فخرجت إليهما ، فأبلغت في الدعاء ، وأحسنت في البقية ، وإن عملك ليس لك بطعمة . . . . ) ، إلى آخر الكلام ، وهذا الكتاب كتبه إلى الأشعث ابن قيس بعد انقضاء الجمل .