ابن أبي الحديد

107

شرح نهج البلاغة

أهل يثرب ، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك ، إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم ، وقد نجاها الله فإن أبوا عليك فلا يأبون خصلة واحدة ، يردون القيان ( 1 ) . فعالج قيس بن امرئ القيس قريشا ، فأبت الرجوع قالوا أما القيان فسنردهن ، فردوهن من الجحفة ( 2 ) . قلت لا أعلم مراد أبي سفيان برد القيان ، وهو الذي أخرجهن مع الجيش يوم أحد يحرضن قريشا على أدراك الثأر ، ويغنين ، ويضربن الدفوف ، فكيف نهى عن ذلك في بدر وفعله في أحد وأقول من تأمل الحال علم أن قريشا لم يمكن أن تنتصر يوم بدر ، لان الذي خالطها من التخاذل والتواكل وكراهية الحرب وحب الرجوع وخوف اللقاء وخفوق الهمم وفتور العزائم ، ورجوع بنى زهرة وغيرهم من الطريق ، واختلاف آرائهم في القتال ، يكفي بعضه في هلاكهم وعدم فلاحهم ، لو كانوا قد لقوا قوما جبناء ، فكيف وإنما لقوا الأوس والخزرج ، وهم أشجع العرب ، وفيهم علي بن أبي طالب عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب ، وهما أشجع البشر ، وجماعة من المهاجرين أنجاد أبطال ، ورئيسهم محمد بن عبد الله ، رسول الله ، الداعي إلى الحق والعدل والتوحيد ، المؤيد بالقوة الإلهية ، دع ما أضيف إلى ذلك من ملائكة السماء ، كما نطق به الكتاب . قال الواقدي : ولحق الرسول أبا سفيان بالهدة - والهدة على سبعة أميال من عقبة عسفان ، على تسعة وثلاثين ميلا من مكة - فأخبره بمضي قريش ، فقال وا قوماه هذا عمل عمرو بن هشام ، يكره أن يرجع لأنه قد ترأس على الناس وبغى ، والبغي منقصة وشؤم ، والله لئن أصاب أصحاب محمد النفير ذللنا إلى أن يدخل مكة علينا . قال الواقدي : وقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكانت بدر موسما

--> ( 1 ) بعدها في الواقدي : ( فإن الحرب إذا أكلت انكلت ) . ( 2 ) الواقدي 36 .