ابن أبي الحديد

105

شرح نهج البلاغة

فصاعدا - والنش نصف أوقية وزن عشرين درهما - إلا وقد بعث به معنا ولئن كتمتنا شأن عدونا لا يصالحك رجل من قريش ما بل بحر صوفه ( 1 ) . فقال مجدي والله ما رأيت أحدا أنكره ، ولا بينك وبين يثرب من عدو ، ولو كان بينك وبينها عدو لم يخف علينا ، وما كنت لأخفيه عنك ، إلا إني قد رأيت راكبين أتيا إلى هذا المكان - وأشار إلى مناخ عدى وبسبس - فأناخا به ، ثم استقيا بأسقيتهما ، ثم انصرفا فجاء أبو سفيان مناخهما ، فاخذ أبعارا من أبعار بعيريهما ففتها ، فإذا فيها نوى ، فقال هذه والله علائف يثرب هذه والله عيون محمد وأصحابه ، ما أرى القوم إلا قريبا ، فضرب وجه عيره فساحل ( 2 ) بها ، وترك بدرا يسارا وانطلق سريعا ، وأقبلت قريش من مكة ينزلون كل منهل يطعمون الطعام من أتاهم ، وينحرون الجزور ، فبينا هم كذلك في مسيرهم إذ تخلف عتبة وشيبة ، وهما يترددان ، قال أحدهما لصاحبه : ألم تر إلى رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب لقد خشيت ( 3 ) منها ، قال الآخر : فاذكرها وذكرها فأدركهما أبو جهل ، فقال ما تتحادثون به قالا نذكر رؤيا عاتكة ، قال : يا عجبا من بنى عبد المطلب لم يرضوا أن تتنبأ علينا رجالهم حتى تنبأت علينا النساء أما والله لئن رجعنا إلى مكة لنفعلن بهم ولنفعلن قال عتبه : إن لهم أرحاما وقرابة قريبة ثم قال أحدهما لصاحبه : هل لك أن ترجع قال أبو جهل : أترجعان بعد ما سرنا فتخذلان قومكما ، وتقطعان بهم بعد أن رأيتم ثأركم بأعينكم أتظنان أن محمدا وأصحابه يلاقونكما كلا والله ، إن معي من قومي مائة وثمانين كلهم من أهل بيتي يحلون إذا أحللت ، ويرحلون إذا رحلت ، فارجعا إن شئتما قالا والله لقد هلكت وأهلكت قومك . ثم قال عتبة لأخيه شيبة : إن هذا رجل مشئوم - يعنى أبا جهل - وإنه لا يمسه من قرابة محمد ما يمسنا ، مع أن محمدا معه الولد فارجع بنا ودع قوله ( 4 ) .

--> ( 1 ) في اللسان : ( صوف البحر شئ على شكل هذا الصوف الحيواني واحدته صوفة ، ومن الأمثال قولهم : ( لا آتيك ما بل بحر صوفه ) . ( 2 ) سار بها نحو الساحل . ( 3 ) ب : ( سمعت ) وأثبت ما في ا الواقدي . ( 4 ) الواقدي 33 ، 35 .