فوزي آل سيف
26
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
هكذا يأتي ابن سعد فيقول: قال علي بن حسين، وكأنه كان جالسا بجانبه يحدثه! ثم ينقل قصة لا أصل لها ولا فرع! وإنما هي من مختلقات الزبيريين[29] ـ وهم تقاسموا مع العباسيين تشويه التاريخ الإسلامي لا سيما ما يرتبط بأهل البيت عليهم السلام. "قال علي بن حسين: فغيّبني رجل منهم وأكرم نزلي واحتضنني وجعل يبكي كلّما خرج ودخل حتى كنت أقول: ان يكن عند أحد من الناس وفاء فعند هذا، إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا من وجد علي بن حسين فليأت به فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم. قال: فدخل والله عليّ وهو يبكي وجعل يربط يدي إلى عنقي! وهو يقول: أخاف! فأخرجني والله إليهم مربوطاً حتى دفعني إليهم واخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها". وبالتتبع يتبين أن ابن سعد قد نقل هذه الفرية من الزبير بن بكار أو من عمه مصعب [30]، الذي (أحيا أم علي السجاد وجعلها معه في كربلاء!!) بالرغم من اتفاق المؤرخين على أنها ماتت في نفاسها به.. وكيف لم يلتفت لهذه القضية أبو مخنف الأزدي مع رواته الكثيرين[31] الحاضرين في الحادثة؟ ثم من العجيب أن يصدقها صانعها وألّا يلتفت إلى الخلل الموجود فيها فإن السجاد وهو مسؤول عن ركب الاسارى ـ باعتباره
--> 29 ) ابن الجوزي، المنتظم: 5/ 344: أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قالَ: حدثني عمي مصعب بْن عَبْد اللَّهِ قالَ: كان علي بن الحسين الأصغر مع أمه، وهو يومئذ ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضا، فلما قتل الحسين قالَ عمرو بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض، قالَ علي بن الحسين: فغيبني رجل منهم فأكرم منزلي واختصني وجعل يبكي كلما دخل وخرج، حتى كنت أقول: إن يكن عند أحد خير فعند هذا. إلى أن نادى منادي عبيد الله بن زياد: ألا من وجد علي بن الحسين فليأت به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم. قالَ: فدخل عليّ والله وهو يبكي، وجعل يربط يدي إلى عنقي ويقول أخاف. وأخرجني إليهم مربوطا حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر.. فإن أول ما في هذا الخبر انه من غير إسناد إذ بين شهادة الإمام السجاد سنة 95 هـ وبين موت مصعب بن عبد الله الزبيري 236 هـ نحو 140 سنة، فكيف يتحدث عن الواقعة بعنوان قال علي بن الحسين؟ وكيف لم يلتفت قائل الخبر إلى أن علي بن الحسين السجاد هو المسؤول عن النساء والأطفال بعد أبيه الحسين عليه السلام وأنه لا يمكن أن يغيب عنهن ولا أن يغبن عنه هذه المدة؟ والإمام جالس !! معه مرتاح في الاكرام! وأنه إن كان عند أحد وفاء فعند هذا !! الخبر غير صادق والكذب فيه فج غير متقن! 30 ) قال السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه أبو هريرة ص ١٢٢في شأنهما ما يلي : " الزبير" ابن بكار ممن عرف بالعداوة لعلي وأهل البيت وهو الذي استحلفه رجل من الطالبيين بين القبر والمنبر الشريفين فحلف كاذبا فرماه الله بالبرص وكان ينال من العلويين ومن جدهم علي. فأجمعوا على قتله فهرب منهم إلى عمه مصعب بن عبد الله بن مصعب فسأله ان يكلم المعتصم في تأمينه فلم يجد عنده ما أراد إذ لم يكن عمه على رأيه في مكاشفة العلويين ذكر ذلك ابن الأثير في سيرة المعتصم من تاريخه الكامل. اما أبوه بكار فقد كان من المكاشفين للرضا في النصب والعداوة فدعا عليه الرضا فسقط من قصره فاندق عنقه، وأما جده عبد الله ابن مصعب فهو الذي أفتى هارون الرشيد بقتل يحيى بن عبد الله بن الحسن، فقال : اقتله يا أمير المؤمنين وفي عنقي دمه، فقال الرشيد : ان عنده صكا مني أعطيته فيه الأمان، فقال عبد الله بن مصعب : لا أمان له يا أمير المؤمنين وعمد إلى يحيى فانتزع الصك منه قهرا ومزقه بيده عداوة ورثوها عن جدهم، ورثها عدو عن عدو عن عدو من عبد الله بن الزبير حتى انتهت إلى الزبير بن بكار، وبها نال الحظوة عند المتوكل فاختاره لتأديب ولده الموفق.." 31 ) ذكر الشيخ الغروي اليوسفي في مقدمة كتابه واقعة الطف (مقتل أبي مخنف) أن أبا مخنف الذي روى عنه الطبري في تاريخه 65 حديثاً مسنداً، قد رواها بالمباشرة وبالواسطة عن 39 راوياً، وقد وضع الغروي قوائم تفصيليّة ستًّا بأسماء الرواة الوسائط بين أبي مخنف والأحداث.