فوزي آل سيف

182

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

الحسين لو لم يقتل في كربلاء، ترى كم كان يعيش؟ يعيش كجدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثاً وستين سنة أو كأبيه المرتضى قريباً من ذلك، أو دون ذلك بكثير كأخيه الحسن سلام الله عليه، سنوات وإذا به أيضاً يذهب من هذا العالَـم، وهذا الحال بالنسبة إلى كل إنسان، سوف يبقى على هذه الأرض مدَّةً محدودةً من الزمان، طالت أو قصُرتْ لكنه ليس بخالدٍ أبداً، (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْـخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْـخَالِدُونَ)([286]) كلا (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْـمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْـخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).([287]) أما عُمْرُ المعنى وبقاءُ القِيَم التي يفصِّلُها هذا الإنسان بموقفِهِ ودمِهِ، فإنَّها تبقى لا يحدُّها زمنٌ ولا يَحيطُ بها مكانٌ ولا تعترفُ بالمسافاتِ أبداً. يُبعدنا عن الحسين اليوم أكثر من ثلاثةَ عشرَ قرناً من الزمان، ولكننا لا نزال نراه حيَّاً باقياً يؤثِّرُ في الجموعِ ويحرِّكها ويثقِّفها، ويحييها بعد أنْ ماتتْ ويبعث فيها شعورَ العزَّةِ والكرامة والإباء. هل رأيتَ أحداً على بُعدِ ثلاثةَ عشرَ قرناً من الزمانِ يستطيعُ أن يؤثِّر كما يؤثِّر الحسين؟ ويستطيع أن يحرِّك الجموع، وأن يوجِّهَ هذا الإنسان لكي ينفقَ خالصَ مالِه من أجلِ قضية الحسين؟ ويحرِّكُ ذلك الشابَّ لكي يتركَ عملَه حتَّى يأتي في مجلس الحسين؟ وذاك الكبير يعطِّل أعمالَه وقضاياه حتَّى يجلس مستمعاً إلى قضية حدثت قبل ذلك الزمان فيتأثَّرُ بها ويتفاعلُ معها وتبقى آثارُها مؤثِّرةً فيه إلى سنةٍ أخرى؟ تأثير المجالس تراكمي

--> 286 ) الأنبياء: 34. 287 ) الأنبياء: 35.