فوزي آل سيف
156
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
وبعد أن تجاوز الإمام عليه السلام التنعيم، وصل إلى "الصفاح" وفيها التقى بالفرزدق بن غالب،[242]وحسبما أخبر الفرزدق نفسه فقد قال: كنت قادماً من البصرة إلى الحج مع أمي، فرأينا ركب الحسين بن علي، فجئت إليه، فسألني من الرجل؟ قلت له: "أَنَا مِنَ العَرَبِ"، يقول: "فَلَا وَاللهِ، مَا فَتَّشَنِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك". أي لم يسألني غير هذا عن شخصيتي. وفي هذا تعليم تربوي، خلافا لما يصنعه البعض فإنه حين يلتقي شخصاً في مكان ما لمدة خمس دقائق، تجده يتطلع إلى أن يستكشفه بالكامل، ويعرف أهله ومواقفه السياسية، وتقليده المرجعي، وما يريد وما لا يريد، بل يرتب على ذلك آثارًا، في أنه هل يقاطعه بعدما عرف عنه ما عرف أو أن يتعامل معه بشكل عادي؟ إن الإمام عليه السلام يعلمنا هذا خصوصاً في الأزمنة التي تكون فيها القضايا المختلفة منشأ لاختلاف الآراء وقد يكون الاختلاف حاداً إلى درجة الاعتداء عند بعضهم لو علموا بأن الذي يقابلهم يحمل الأفكار المعينة، ثم سأله الإمام عليه السلام كيف تركت الناس؟ قال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك، ثم فارق الفرزدق الإمام عليه السلام متجهاً إلى الحج كما قيل. الفرزدق ومواقفه: ويثير هذا الموقف من الفرزدق السؤال، في أنه هل كان مستوى علاقة الفرزدق بالإمام عليه السلام هو بهذا المقدار أن يتبادل معه كلامًا عابرًا ثم يمضي كل منهما في سبيله؟ فلا الإمام يدعوه إلى الالتحاق به لا
--> 242 ) أبو فراس، همّام بن غالب التميمي الحنظلي، يُعدُّ في الاصطلاح الرجالي من أصحاب أمير المؤمنين والحسين والسجّاد عليهما السلام، يقال وُلِدَ الفرزدق في خلافة عمر وقيل بل في سنة 37 هـ، فتوبع بالشِعر لمّا ترعرع ففاق الأقران،.. مات سنة عشر ومائة وهو مادح الامام السجّاد عليه السلام بقصيدة مشهورة، في قصة أمام هشام بن عبد الملك، ويرى بعض مترجميه أن القصيدة تكشف أبياتها عن حسن عقيدته بأهل البيت عليهم السلام وعن حبّه لهم، ومن أبياتها: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ هذا ابن خير عبادِ اللّه كلّهم * هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلم إذا رأته قريشٌ قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ هذا ابن فاطمة إن كنتَ جاهله * بجدّه أنبياءُ اللّه قد ختموا