فوزي آل سيف

151

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

بالطبع لم تكن تلك الكتب والرسائل هي العامل الاساس في نهضة الإمام الحسين عليه السلام[232]، ولكن كان لها أثر في أن تكون الكوفة الوجهة المختارة ليرسل لها الإمام عليه السلام ابن عمه مسلم بن عقيل يوم الخامس عشر من شهر رمضان ومعه قيس بن مسهر الصيداوي ضمن مهمة أعرب عنها في رسالته عندما قال: «أمّا بعد فقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكًا إن شاء اللَّه، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحقّ، والسلام »، فتوجه مسلم بن عقيل إلى الكوفة. ومع إقبال أهل الكوفة الكبير على بيعة مسلم بن عقيل والالتفاف حوله إلا أن ما يثير التعجب هو سرعة الانفضاض عنه، بمجيء ابن زياد إلى الكوفة وخلعه النعمان بن بشير واعادة تشكيل القوة الهجومية الأموية، بلملمة التيار الأموي وفرض الأحكام العرفية، وتنشيط نظام العرفاء، وارهاب شيوخ القبائل ورؤسائها، وبالرغم من تقديم تفسيرات[233]كثيرة لهذه النتيجة إلا أنها تبقى مثيرة للتعجب. وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال[234]أي أنه قطع المسافة من مكة المكرمة إلى الكوفة في عشرين يوماً وبعدما رأى إقبال الناس على مبايعته كتب رسالة مع قيس بن مسهر الصيداوي

--> 232 ) كما سيتم ذكره في بحث منطلقات النهضة الحسينية.. 233 ) ربما يتم التعرض إليها عند الحديث عن شهداء النهضة الحسينية عن مسلم بن عقيل.. 234 ) ذكر المؤرخ الطبري 4/264 أن مسلما بن عقيل بعدما استأجر دليلين من قيس أقبلا به فضلا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلى في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء نزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمى الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله.. وقد ناقش غير واحد هذه الرواية وردوها من نواح متعددة: منها أنها لا تنسجم مع ما عرف من شجاعة مسلم فكيف يتهمه الحسين بحسب الرواية بالجبن، ثم إن الحسين لتوه قد أعرب في رسالته لأهل الكوفة أن مسلما هو ثقته! ولا يعقل أن يرسل لهذه المهمة الحساسة من يكون جبانا.. فما عدا مما بدا؟ على أنها لا تتفق مع الفترة المفترضة من خروج مسلم من مكة ووصوله إلى الكوفة مع فرض أن يكون الدليلان قد ماتا.. وأن مسلما وقيسا قد ضلا الطريق، فكيف تيسر لهما أن يرسلا للحسين رسالة وينتظرا جوابها ويأتي الجواب بلزوم المواصلة؟ فمن الذين أوصل الرسالتين؟ وكم استغرق من الوقت لأجل ذلك