فوزي آل سيف
15
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
لنأخذ مثالا في ذلك: مقتل أبي مخنف[9]لوط الأزدي، فإن هذا المقتل الذي نقل منه الطبري أغلب مقتل الحسين عليه السلام في تاريخه.. نراه يتبخر من الساحة الثقافية[10]! فلا توجد أي نسخة من نسخه كاملة، والموجود هو كما ذكرنا ما بقي قد دونه الطبري في تاريخه ونقله عنه. ما هي ميزات مقتل أبي مخنف؟ [11] مما يجعل هذا الكتاب حرياً بالاهتمام أمور: أولاً: أنه يعد من أوائل ما ألف في مقتل الحسين عليه السلام، ومن بين أقربها إلى الحادثة فإن مؤلفه توفي على المعروف سنة 158 هـ وهو يروي أحداث المقتل بواسطةٍ واحدة وهو الغالب أو واسطتين وهذا القرب الزمني يعطي قيمة مهمة للكتاب. ثانياً: أنه قد اعتمد في المقتل طريق الرواية عن أشخاص معاصرين للحدث وشهود عيان للواقعة، فلم يسلك ما سلكه آخرون من تجميع قصة المقتل من روايات مختلفة وأشخاص متعددين، وصياغتها في ذهنه
--> 9 ) لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي الغامدي ويكنى بأبي مخنف (وكنيته أشهر من اسمه) ومِخنف بكسر الميم يعني من كان في أنفه ميلان وانحراف، كوفي توفي سنة 157 هـ، ولأجل هذا وصفه الرجاليون بأنه من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام بمعنى معاصرته لهما كما هو في المصطلح الرجالي، وصفه الشيخ النجاشي بانه «شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم وكان يُسكن إلى ما يرويه » وأقر له مخالفوه مذهبيا بالاحاطة والتتبع وبأن عنده ما ليس عند غيره من الأخبار. وإن كان الاتجاه العام عندهم تضعيفه لأجل مذهبه! يعد من أهم المؤرخين الذين أثّروا في تلامذتهم، فيمكن عدّ هشام بن محمد بن السائب الكلبي ـ وهو راوي المقتل ـ من تلامذته وكذلك ابو الحسن المدائني، ذكروا في كتبه نحو 50 عنوانا وربما يظهر من عناوينها السبب الذي جعلها تباد وتفقد؛ فمنها كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب قتل الحسن عليه السلام، كتاب قتل الحسين عليه السلام، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار.. وغيرها. ولم يبق من تلك الكتب سوى ما نقل عنه من روايات في كتب أخرى كتاريخ الطبري الذي أكثر من النقل عنه. يعد في التصنيف العام من مؤرخي الشيعة وإن كان بعض الباحثين يشكك في كونه كذلك ويرى أنه شيعي بالمعنى السياسي العام. لا بمعنى كونه إماميا. ولمن أراد التفصيل في شأن أبي مخنف ومقتله فليرجع للدراسة المفيدة التي كتبها الشيخ الغروي، وكذلك دراسة الشيخ عامر الجابري في موقع العتبة الحسينية https: //www.warithanbia.com/?id=651#_ftnref110 10 ) موضوع فقد النسخ مع العلم بتأليفها وبموضوعها ومؤلفها، قد يكون راجعا إلى ما مر على الأمة الإسلامية من حروب وفتن وما يرافقها من تدمير للحضارة وأقربها المكتبات ودور العلم، وما نقل مثلا أيام الاجتياح المغولي للبلاد الإسلامية، وهذا واضح! إلا أننا نعتقد أنه كان هناك سبب آخر لم يسلط عليه الاهتمام كما ينبغي وهو قيام السلطات السياسية الحاكمة (وأحيانا بالتشاور مع بعض علماء البلاط والسلطة) في مصادرة وإتلاف قسم من الكتب لوجود أفكار أو معلومات في هذه الكتب لا ترضى عنها السلطة، فينتهي الأمر بجمع هذه الكتب ـ وهو من السهل بمكان في تلك الأزمنة حيث لم تكن الطباعة موجودة ـ فيتم اتلاف هذه النسخ، ويضيع ما لم يتم اتلافه. وهذا موضوع مناسب أن يتوجه له الباحثون ليروا أي نوع من الكتب كانت (تفقد) نسخها! وفيما يرتبط بمقتل أبي مخنف فإن الباحثين يرون أنه كان موجودا إلى القرن الرابع الهجري، ثم فقد بعد ذلك ولعل الفترة الزمنية التي شهدت صراعات مذهبية واضحة ومواجهات حادة تشير لنا إشارة أخرى بالإضافة إلى ما ذكرناه من عناوين كتب أبي مخنف وملامستها لقضايا حساسة، لماذا " فقد" أو أتلف هذا الكتاب وأمثاله؟ 11 ) لا بد من التمييز بين كتاب مطبوع باسم (مقتل أبي مخنف الأزدي) ويبدأ بالقول قال أبو مخنف: حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد.. وهذا الكتاب لا تصح نسبته إلى أبي مخنف كما اتفق عليه المحققون من العلماء. إذ جعل كاتب الكتاب الأستاذ تلميذا والتلميذ استاذا!! وبين ما استخلص من تاريخ الطبري عن أبي مخنف وهذا هو الذي نتحدث عنه وهو جزء من كتاب ابي مخنف الأصلي. وقد كتب العلامة الشيخ الغروي دراسة جيدة مفصلة عن المؤلف والكتاب وطبع ما جاء في الطبري وغيره مما صح عنده نسبته لأبي مخنف في كتاب مستقل جاء في طبعته الأولى سنة 1411 هـ باسم (وقعة الطف) بطباعة مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، في 280 صفحة.