فوزي آل سيف

121

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

على أثر ذلك، وهذا الخوف الرسالي ممدوح للغاية، من لا يخاف بهذا المعنى على دين الناس وعقيدتهم، ومن لا يتأثر لأجل طغيان خط الانحراف هو المذموم في موقفه. إن من يحزن ويتأذى لأجل حصول الانحراف عند الناس وتراجع الإيمان هو الذي يستحق الثناء والمدح، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الجهة في حق النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، في قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)[180]. وقد شرح أمير المؤمنين عليه السلام وفصله في الخطبة رقم 4 من نهج البلاغة، فقال: " لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ دُوَلِ الضَّلَالِ، وَمِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ" أي خاف أن تصبح السيطرة للجهلة، للحمقى، للمتخلفين. خاف أن يصبح الانتصار من نصيب أهل الضلال. والإمام الحسين عليه السلام، كان لديه هذا التخوف على الإسلام أن يضمحل ويزول، فها هو يقول: "وَعَلَى الإسلام السَّلَامُ إِذَا بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيدِ"[181]. إن هذا ليضيء لنا الطريق أمام الحديث عن بواعث نهضة الحسين عليه السلام. فإن من بواعث خروج الإمام الحسين عليه السلام؛ التخوف من انهيار صورة الإسلام والنموذج الإسلامي عند المسلمين جميعا، كيف؟ جاء نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وقدم صورة للناس عن الدين والإسلام ناصعة شديدة البياض، فلما وصلنا إلى ما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، اعترى هذه الصورة تشويش، اختلف باختلاف مراحله الزمنية شدة وضعفًا. ولما وصلنا إلى زمان معاوية، عبّر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن تلك المرحلة، بأنه: "لُبِسَ فِيهَا الإسلام لِبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوبًا"[182]، وفي هذا التشبيه جهات ملفتة للنظر،

--> 180 ) سورة الكهف : آية 6 181 الخوارزمي؛ الموفق: مقتل الحسين 1/ 268 182 نهج البلاغة خطبة 108