فوزي آل سيف

87

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

زعم أنه مسلم، وإن صلى وصام، إلا أنه مع اجتماع تلك الصفات، لا يكون مسلما حقيقيا، وإنما يعد في جملة المنافقين بل يكون أقرب درجة إلى الكافرين!. وقد سبق لنا ذكر الصور المتعددة التي تتبلور فيها الخيانة، وقلنا إن هذه الصور وإن تعددت، إلا أنه أن أساسها: أن الإنسان الخائن خالف مقتضى الأمانة في العمل الموكل إليه، المال الذي أؤتمن عليه. وأما الأساليب والوسائل في ذلك فلا مجال لحصرها (لاجتهاد) القائمين بها في اجتراح الطرق، والالتواء على مقتضيات الأمانة! ولكن قد يكون القائم بها هو أول العارفين بأن عمله ذلك غير مشروع وإن كان يحاول أن يوجد لنفسه تبريرا أو عذرا يسكت به نداء ضميره إن كان لا يزال فيه بقية يقظة! وربما حاول أن يستفتي هنا وهناك لكي يجد أحدا يسوغ له فعله! وهذه الصفحات تتناول بعض نماذج الخيانة في المال والأعمال: 1/ ما قد يُبتلى به بعض مسؤولي التسويق والشراء في الشركات؛ مثلا يعطَى هذا مبلغًا من المال ولنفترض أنه 100 ألف، ويقال له نريد منك أن تشتري كاميرات مثلا، أو أنوار، أو أنابيب أو غيرها، ولنفترض أن الشركة تحتاج إلى ألف (وحدة) فيذهب هذا إلى السوق ويجد قسمين؛ أحدهما بعشرة والآخر بكفاءة أقل بخمسة، فيشتري الثاني ويحسبه بقيمة الأول ويعتبر الزائد من حقه!! وهذا الشخص يخون مرتين في أخذه المال يكون خائنًا لمن وكله في الشراء، وفي شراء الجهاز غير الكفوء[193]! وذلك لأنه وهو الوكيل من طرف الشركة لم يكن أمينًا ولم يلاحظ مصلحة الموكل له، وفوق ذلك أخذ الزيادة لنفسه وهو أخذ بالباطل!. ومثله ـ أو أسوأ منه ـ من يشتري شيئا لجهة العمل، ويكون قيمته بخمسة، فيتفق مع البائع أن يكتب له الفاتورة أن السعر هو بسبعة مثلا، ويأخذ هو الاثنين، فهذه خيانة صلعاء! إذ الفاتورة لا تحلل الحرام. وليكتب عشر فواتير فالحرام باق على حرمته، وهذه سرقة للمال! وخيانة لصاحب المال! 2/ ما قد يبتلى به مسؤولو الرقابة ومن بيدهم التقارير: من مهندس، أو مشرف، أو أمثالهم.. وطبيعة عملهم أن يمارسوا دورًا إشرافيًا ويقيّموا العمل: هل هذا المقاول أو الشركة نفذت المشروع بحسب المواصفات أو لا. فإذا رأى تبليط الشارع مثلا ليس بحسب المواصفات، لا بنية تحتية، ولا تصريف، ولا استقامة، ولا جودة في المادة المستخدمة: هنا تتبين أمانته أو خيانته. يقول له المقاول أو مدير الشركة: "حقك محفوظ".[194](!) وهو عارف بتلك الشفرة. أو يقول له الكلمة الخائنة المعروفة: "لا يُخدَم بخيل". ومعنى ذلك أن تكتب التقرير بما هو مخالف للحقيقة من كون المشروع غير صالح، وأن الانجاز سيء، فتكتبه على خلاف ذلك! وفي مقابله تربح مالًا! فيدبج هذا تقريره الكاذب، ويأخذ ثمن ذلك! إن هذه خيانة في العمل! ولا يحل له تملك ذلك المال! هو حرام عليه!

--> 193 ) هذا إذا كان وكيلا في الشراء كما هو الفرض، نعم يستطيع هو أن يصنع شيئا آخر بأن يتفق مع جهة الشركة بأني أدبر لكم هذا الجهاز بهذه المواصفات بعشرة، ويذهب يشتريه بما دون ذلك ثم يبيعه للشركة بمبلغ العشرة.. ففي هذه الحالة يجوز، حيث لم يكن وكيلا عن الشركة وإنما هو مشتر من جهة وبائع من جهة أخرى. 194 (العجيب أنهم يتعاملون على أساس أن له حقا، وأنه محفوظ! ومن الذي أوجب له هذا الحق؟ فإن كان غرامة فليس له وإنما لجهة رسمية! وإن كان غير ذلك فما هو؟ أو أن يقال لا يخدم بخيل! وهذا العمل ليس خدمة! إن الموظف الذي يستلم راتبا في قبال اشرافه يجب أن يكون أمينا على عمله وإلا فلا يستحق الراتب الذي يستلمه!