فوزي آل سيف

83

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

وقد قيل في بعض كتب الحديث أن هذه الكلمات مما لم يسبق به النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله. وبالرغم من أن بعضهم قد وصفه بالضعف في كتب مدرسة الخلفاء لجهالة ابن أخي جابر الذي ينقل عن جابر بن عبد الله إلا أن آخرين قد حسنوا الحديث، لاعتضاده بأحاديث أخرى فيكون حسنًا لغيره[180]. ولا يختلف في هذا الحكم النساء عن الرجال وإن كان في بعض النصوص قد ورد عنوان (وإنما يتجالس الرجلان بأمانة الله..) فإن الحكم مشترك بين النساء والرجال.. ولذا لو كانت طبيعة المجلس، أو خصوصيات الحديث، فضلًا عمّا إذا قال أحدهم أو احداهن: المجالس بالأمانات، فلا يجوز للباقين نقله. إلا في الموارد المستثناة التي مر ذكرها آنفا! ولا يصح أن يعتذر بعضهم بالقول إني أنقله حتى تتكشف الحقائق. أو للتأكد أو غير ذلك فـ (المجالس بالأمانة)! ومن التأكيد على ذلك ما ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، لأبي ذر، قال: "يَا أَبَا ذَر، الْمَجَالِسُ بِالأمانة، وَإِفْشَاءُ سِرِّ أَخِيكَ خِيَانَةٌ، فَاجْتَنِبْ ذَلِكَ". وقد عقد ثقة الإسلام الكليني[181]، رضوان الله عليه، في كتاب الكافي، بابا، أسماه: المجالس بالأمانة. وأورد فيه عددا من الأحاديث. قسم منها معتبر، ومما جاء في ذلك الباب: عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "الْمَجَالِسُ بِالأمانة، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ، يَكْتُمُهُ صَاحِبُهُ". فإذا كان صاحبه كاتما له لم يجز نقله عنه إلا بإجازته فإن أجاز، وإلا فلا. وفي تتمة الحديث "إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً (فقهاً) أَوْ ذِكْرًا لَهُ بِخَيْر". وهذا الاستثناء كأنه استثناء موضوعي، وخروج تخصصي فإن الفقه علم لا يكتمه صاحبه، وهكذا الذكر الطيب والخير، لا يكون مما يُكتم، وقد ذكر في أول الحديث أنه يكتمه صاحبه! والعجيب أن الامام الصادق عليه السلام قد قبل تطبيقها حتى مع ابن أبي العوجاء في مسألة إلحادية، ولم يفشها عنه ويخبر عنه! بالرغم من أن ظاهر بعض الروايات هو أنها في الدائرة الإسلامية، إلا أنه يستفاد من هذه الحادثة أنها أوسع فقد (أتى أبا عبد الله عليه السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال يا أبا عبد الله إن المجالس أمانات ولا بد لكل من به سعال أن يسعل أفتأذن في الكلام؟ فقال تكلم! فقال إلى كم تدوسون هذا البيدر وتلوذون بهذا الحجر وتعبدون هذا البيت المعمور بالطوب والمدر وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر إن من فكر...) وبعد أن استمع إليه الإمام الصادق عليه السلام، شرع يرد عليه ردا علميا قويا اعترف ابن أبي العوجاء في نهايته أنه قد لقي (جمرة بدل أن يلقى خمرة!) والشاهد في ذلك أن هذا المشكك الملحد طلب من الامام العمل بقاعدة: المجالس بالأمانات! وما عرف ذلك عنه من جهة الامام! حيث الرواية لا تروى عنه صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه!

--> 180 قال عبد المحسن العباد في: شرح سنن أبي داود 5/ 554.. والحديث ضعفه الألباني في سنن أبي داود، ولكنه في الجامع الصغير أورده وحسنه، ولكن بدون هذه الزيادة، والتضعيف هو من أجل هذا الرجل المبهم الذي هو ابن أخي جابر، ولكنه حسنه لأنه جاء من طريق أخرى مرسلة عن علي رضي الله تعالى عنه، فيكون المرسل شاهدًا لهذا الحديث. 181 الكليني؛ الكافي - ط الاسلامية 2 /660 ومما جاء فيه: صحيحة زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه ‌السلام قال قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله: المجالس بالأمانة. ومثلها رواية ابن أبي عوف، عن أبي عبد الله عليه‌ السلام قال سمعته يقول المجالس بالأمانة. وقد وصفها العلامة المجلسي في مرآة العقول بالحسنة. وكذلك الرواية الأخرى عنه عليه ‌السلام قال المجالس بالأمانة وليس لأحد أن يحدث بحديث يكتمه صاحبه إلا بإذنه إلا أن يكون فقهًا أو ذكرا له بخير..