فوزي آل سيف
75
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
إن ما نعتقد هو ان تعامل المؤمن مع المختلفين معه والمخالفين له ينبغي أن يكون بطريق الرحمة وتمني هدايتهم والسعي في ذلك قدر الامكان. وأن يجتنب الحقد عليهم. كما أنه ينبغي ألّا يجره البغض إلى تجاوز سنن العدل والانصاف وأن يكون من الـ (قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)،[158]فلو رأى في بغيضه خصلة حسنة فإنه لا يجعلها سيئة بسبب بغضه إياه وشنآنه، فقد يكون البغيض فاسد العقيدة ولكن أخلاقه حسنة! وقد يكون منحرف العبادة ولكنه منظما ونظيفا، فلا يصح أن نصادر شخصيته بالكامل، وإنما يقتضي العدل أن يقال لديه تلك الخصلة الحسنة ولكنه فاسد العقيدة مثلا! إننا نسمع أحيانا مثل هذا القول عندما يقال إن فلانا المسيحي مخلص في عمله، قد ينبري شخص ليقول إن ذلك لا ينفعه في شيء لأن عقيدته فاسدة! والصحيح أن يقال: إخلاص العمل ميزة حسنة وهو محل تقدير، ولكن فساد العقيدة شيء خاطئ فيه.. وإذا أردت أن تحدد موقفًا عمليًا فقل: أنا صاحب العقيدة والإيمان أولى منه بالإخلاص في عملي. إلا أن هذا يحتاج إلى قلب غير محتقن بالحقد، وقادر على الفصل بين ما يبغض في هذا الشخص وهو فساد العقيدة مثلا وبين ما يقدر فيه وهو إخلاص العمل. قد يبغض الله العبد ويحب عمله: ومن الجدير ذكره في أخر هذه الصفحات التفريق بين الذات الحسنة والعمل السيء وبالعكس فإن قسما من الناس يخلطون بين أعمال الناس وذواتهم. فإذا أحب يحب ذات الإنسان، وإذا أبغض يبغض ذات الإنسان. مع أنه من الممكن أن يتم الفصل بين الذات والعمل فيكون أحدهما مبغوضا والآخر محبوبا، وقد جاء في الروايات "أَنَّ اللهَ قَدْ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَقَدْ يُبْغِضُ الْعَبْدَ وَيُحِبُّ عَمَلَهُ"[159]، نعم من تمحض في المعصية وأصبح ممثلا للانحراف والرذيلة فلا مجال فيه للفصل، ومنهم أئمة الكفر كما وصفهم القرآن الكريم، وأولئك الذين تلبست بهم الصفة حتى أصبح لا يمكن التفريق بين ذواتهم وبين أعمالهم السيئة، وهم الذين وصفهم القرآن الكريم بأن الله لا يحبهم، كالظالمين والكافرين والمعتدين والمفسدين والخوَّان الأثيم وغيرهم. وإذا أردنا أن نستعمل العبارات الدارجة فإنه يقال ليكن بغضك للخاطئين بالمُفرَّق، فينبغي التفريق بين الذات والأعمال، إلا من استثني، وأيضًا ينبغي ملاحظة ما يحَب ويُكرَه في الشخص، فقد يكون فيه جهات محبوبة وأخرى مبغوضة! وربما كانت إشارة القرآن الكريم هي لهذا الصنف في الآية المباركة: (خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا). بما سبق يمكن لنا أن نتربى والمجتمع على تجنب الحقد وأسبابه.
--> 158 النساء: 135 159 المازندراني ؛ ابن شهرآشوب: المناقب - ط المكتبة الحيدرية 3 / 320