فوزي آل سيف

72

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

ينبغي أن نواجه عوامل الحقد، بدواعي الحب، وأن نربي من حولنا على ذلك، بل نعلم أبناءنا على حب من يكون مجدًّا ومتميزًا ومتفوقًا لأنه لم تأت هذه الصفات من فراغ وإنما من بذل الجهد! كيف نقضي على الحقد؟ تتنوع الأمراض الأخلاقية بحسب آثارها، بين ما يقتصر ضررها على الشخص أو القريبين منه! وبين ما يمتد تأثيرها وضررها إلى البعداء، وينتشر خطرها في دائرة أكبر! والأول مثل البخل وسوء الخلق، فإن بخل البخيل تقتصر عواقبه السيئة على نفس البخيل وربما اسرته وأصدقائه، وأما من بعد عنه فلا يتأثر ببخله وكرمه! وأما الحقد فقد لا يقتصر على القريبين، بل ربما طال شرره إلى من لا يعرفهم الشخص ولم يلتق بهم يوما! وقد أشرنا إشارة عابرة في الصفحات السابقة إلى أن من جرائم الحرب وأعمال الإبادة ربما كانت بسبب قرارات حاقدة من زعماء ومهووسين، ذهب ضحية ذلك عشرات الآلاف من الناس البعداء وغير المعروفين للشخص الحاقد! وقد سجل التاريخ حروبا بين أتباع أديان ومذاهب وقوميات كان سببها أحيانا هوس زعماء وحقد رؤساء، يقومون بتربية أتباعهم وشحن الجو العام بضدية طرف من الأطراف حتى إذا جاءت ساعة الصفر للاشتباك فالنفوس مهيأة والقلوب محتقنة والأحقاد فائضة، فتجد متنفسها في الانتقام! إنه حتى الحروب لها قوانينها وأصولها، بل أخلاقياتها، وفيها خطوط حمر وما يجوز وما لا يجوز، لكن حين يقود الحقد الأعمى رؤساء هذه الكتائب والجيوش فإن الحديث عما سبق يكون من الأوهام! لقد رأينا في أتباع الدين الواحد كيف ينتقم بعضهم من بعض على أساس اختلاف ظاهره مذهبي وكيف يصنعون ببعض ما لا يصنعه الأعداء الألداء! وهذا شهدته أوربا في حروبها (المسيحية) كما شهده ويشهدها العالم الاسلامي حين يحترب أتباع (المذاهب) فيما بينهم! فينحر بعضهم بعضا ويذبح بعضهم بعضا ويقطع بعضهم رؤوس بعض! ولهذا ينبغي مقاومة صناعة الحقد، ومع وجود الاختلاف الديني أو المذهبي أو السياسي ينبغي إبقاء هذا الاختلاف في حدوده وضمن جغرافيته، مع المحافظة على أصول الاختلاف وأخلاقياته! ولو فكر المصلحون في هذه المسألة وهي: كم أنفق المسلمون من أموال وكم بذلوا من جهود في صناعة الحقد فيما بينهم؟ هذا وهي تقرأ قرأن ربها الذي عذب بعض الأمم بأن جعل بأسها بينها، وأذاق بعضها بأس بعض! فصارت أمتنا الإسلامية أمثولة في هذا بدل أن تكون مثلا أعلى! وبدلا من أن تُركز جهودها في الإنشاء والإعمار، وتستثمر أموالها في النتاج العلمي والفكري والتقني والديني، أصبحت ثرواتها وقدرات قادتها الكبار: من سياسيين أو علماء ـ في قسم عظيم منها ـ موجهة لإفساد أمور الفريق الآخر والمذهب الآخر! ومن الطبيعي أن يكون لهذه المسيرة نتائج نرى أثرها في أن يكون الجو الاسلامي محتقنا بحيث لو تسلط بعض على بعض لحدث ما لا ينبغي لو لا ستر الله ثم قوة السلطات الضابطة.