فوزي آل سيف
63
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
2 ـ وعنه صلى الله عليه وآله: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين..."(رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، راجع نيل الأوطار:9/107).ويبدو لي أن هذا الحديث المذكور في سياق الاستدلال على صحة الاعتقاد بالعين هو على عكس المطلوب أدل، لأن "لو" حرف امتناع لامتناع، فيكون مفاد الحديث أنه ليس هناك شيء يسبق القدر بما في ذلك العين، نعم لو سبقه شيء لسبقته العين، فهذا الحديث هو نظير قوله صلى الله عليه وآله: "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"[132] أو قوله صلى الله عليه وآله: "ولو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء"، وفي ضوء ذلك يتعين تفسير ما جاء في صدر الرواية بأنّ "العين حق" هذا التعبير الوارد في العديد من الروايات (راجع المستدرك للحاكم 4/215، وسنن ابن ماجة 2/1159، وبحار الأنوار 60/18 وما بعدها)، وإن لم نجد تفسيراً وتوجيهاً مقبولاً يوفق بين صدر الرواية وذيلها تعيّن اطرّاحها أو على الأقل رد علها إلى أهلها بسبب التهافت الملحوظ فيها. 3 ـ وعن علي عليه السلام:" العين حق والرقي حق، والسحر حق والفأل حق، والطيرة ليست بحق، والعدوى ليست بحق..." (شرح نهج البلاغة 1/372). لكن هذه الرواية لم ترد في جميع نسخ نهج البلاغة وإنما وردت في نسخة ابن أبي الحديد فقط ـ وإنّ مضمونها يزيد في وهنها وذلك من جهتين: الأولى: اعتبارها أن: السحر حق" وهو أمر مخالف للقرآن، فإنه ظاهر في عدم واقعية السحر، قال تعالى:{سحروا أعين الناس واسترهبوهم}(الأعراف:116)، وقال في نفس الموضوع {يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى}(طه:66). الثانية: أنها افترضت أن "العدوى ليست بحق" وهذا أمر مخالف للوجدان) انتهى. 3/ يضاف إلى ذلك ما سبق من النقض المذكور في سؤال الاستفتاء وهو حري بالاهتمام، وقد ذكر مثله في بحار الأنوار[133] من أنه لوكان للعائن هذه القدرة لتمكن بها من إهلاك أعدائه، ولاستخدم هذه القوةَ السلاطينُ في الانتصار على مخالفيهم، فقاموا بتعطيل أدوات الأعداء الحربية مثلا، أو إمراض الجنود والمقاتلين، أو إهلاك الملوك المخالفين لهم.. وهذا باطل بالطبع. 4/ كما أن قسمًا كثيرًا مما ينقل هو مما يدخل في دائرة التوافق الحيني أو الزمني، ولا يخضع لاستقراء علمي، فقد ينظر زيد إلى شخص أو يقول كلامًا في حقه، فيصبح هذا المنظور مريضًا في اليوم التالي! هذا التوافق الزمني لا يعني بالضرورة سببية نظرة ذلك الشخص لهذا.. فللمرض أسباب كثيرة! لم يثبت علميًا أن النظرة هي احدى تلك الأسباب! والشاهد على ذلك أن الشخص قد ينظر إلى عشرة أشخاص في اليوم لا يمرض منهم سوى شخص فلماذا تخلفت هذه النظرة عن أثرها في الباقين؟ وهكذا فحتى القائلين بتأثيرها لا يقولون بأنه كلما نظر العائن للأشياء والأشخاص حصل تدمير لها أو مرض لهم أو انكسرت تجارتهم.. وإنما إذا أثبتوا ذلك فإنهم يثبتون ذلك في أحيان قليلة. وما قيل من القدماء من أن هناك أجزاء صغيرة (سمية) تخرج من العين إلى المعيون وتؤثر فيه لا دليل عليه ـ بل حتى محاولات المحدثين الجدد الذين غيروا التعابير إلى تعابير جديدة مثل أن: للجسم طاقات خفية وقد تكون لدى بعض الأشخاص قليلة وللبعض الآخر شديدة ومركزة، ومن هذه الطاقات طاقة النفس، وطاقة تأثير العين، وهي تؤثر في الآخرين، فهي من الممكن أن تلوي الفلزات أو تؤثر في الأجسام..
--> 132 مع ملاحظات لنا على الحديث المذكور ذكرناها في موضع آخر. 133 ولو كان للعين نفسها أثر لكان يصح أن ينظر العاين إلى بعض أعدائه الذين يريد إهلاكهم وقلعهم، فيهلكهم بالنظر، وهذا باطل بحار الأنوار 60/ 20