فوزي آل سيف

57

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

بمعنى هل أن هناك بعض الناس لديهم قدرة على التأثير السيء في غيرهم من التصرف في أبدانهم أو أملاكهم بمجرد توجيه نظرة عين خاصة لهم.. وأنهم قد يصيبون الصحيح بالمرض، بمجرد أن ينظروا إلى بدنه أو يركزوا على جماله! بل حتى بالنسبة للأدوات والأجهزة، فإنهم لو نظروا مثلا إلى سيارة و(عانوها ـ بمعنى توجيه العين لها) فإنها تتوقف أو تتعطل! وهكذا! هل هذا موجود؟ وهل هناك مجال لإثباته؟ أو أن الأمر لا يعدو كونه جزءا من الثقافة الشعبية التي أخذت لها صورة دينية! وأنها عبارة عن حوادث لا يمكن إثبات قاعدة كلية فيها، وإنما هي أقرب إلى الترافق الحيني والزمني مع مقدار من المبالغات التي لا تخلو الثقافات الشعبية منها؟ وقد سبق الحديث أن هناك فرقًا بين الحسد والعين! وأن هناك ما يشبه الاتفاق على أن الحسد بنفسه من حيث أنه صفة أخلاقية سيئة وموقف نفسي مريض لا يؤثر على المحسود في شيء من أمور دنياه فضلا عن دينه! نعم هو يؤثر بشكل سلبي على دين الحاسد وعلى سعادة دنياه! وبالتالي لا بد من التفريق بين الأمرين وأنه حتى لو قال قائل بوجود تأثير للعين على الشخص المعيون والمنظور فليس مضطرًا للقول بذلك في مسألة الحسد إذ لا ارتباط بينهما في هذا. خاصة وأن القائلين بتأثير العين يقولون إن تأثيرها يشمل حتى المحبوبين له، بمعنى أنه قد ينظر أو يَعِين، بمعنى يصيب العائن بالعين، شخصا محبوبا له ومقربا منه، بينما لا يحصل ذلك في محبوبه بالنسبة للحسد! وكأنّ القائلين بتأثير العين يرون أن ذلك أمر (أتوماتيكي) وليس اختياريا! القائلون بتأثير العين[118]: لهم أن يعتمدوا على عدة أمور تؤيد مدعاهم: 1/ القائلون بوجود تأثير (سيء) للعين على المعيون يتمسكون عادة بثلاث آيات؛ الأولى، هي: آخر آيات سورة الفلق: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ). وقد حملوها على أنه: إذا حسد الحاسد، فإنه ينظر إلى المحسود بعينه فيؤذيه. وقد ذكرنا في موضوع سابق عن الحسد أن الآية المباركة، لا تثبت هذا المعنى. وإنما الظاهر منها هو الشرور والأفعال التي تترتب على حسد الإنسان، من التآمر والايذاء، كالذي حصل في قضية قابيل، وقضية أبناء يعقوب، بل وقضية إبليس وآدم أيضًا، بأن يقوم الحاسد بعمل شرير ينتهي به إلى قتل ذلك المحسود، أو إيذائه، أو ضربه، أو سجنه، أو تشويه سمعته. أو غير ذلك. والثانية، هي: التي تتحدث عن قصة أبناء النبي يعقوب، عندما دخلوا إلى مصر وأمرهم أبوهم ألّا يدخلوا من باب واحد، وقال: (يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[119]. ويفهم منها هؤلاء: أن يعقوب النبي أوصى بنيه بذلك حتى لا يُنظروا بعين ولا يُنضلوا. أي حتى لا تصيبكم العين. لا سيما وهم 11 أخاً! فليدخلوا من أبواب متفرقة، وقد قيل إنها أربعة أبواب!

--> 118 ( قال الفخر الرازي: المقام الأول إثبات أن العين حق. والذي يدل عليه وجهان: الأول إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك. والثاني ما روي أن النبي صلى الله عليه وإله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام.. الى آخر ما قال. 119 يوسف: 67