فوزي آل سيف

41

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

حمية أو برنامج، وأمثال ذلك، ربما لا تلتفت أنك مصاب به إلا بعد أن يتفاحش هذا المرض ويستفحل. هنا كان الخير لك أن تعرف أعراض المرض. وهكذا لو جهل الإنسان – مثلا – أعراض الأزمة القلبية – أجاركم الله وإيانا والمؤمنين منها – لم يلتفت إلى أن الألم الخاص في الصدر، أو خلف الكتف، أو التعرق غير المبرر، أو أمثال ذلك من ضيق التنفس، مما يذكره الأطباء كنذر ومنبهات على أزمة قلبية قادمة، لو لم يتعرف الإنسان على أعراض المرض تلك، من الممكن أن تحصل له الأزمة القلبية، ولا يستطيع أن يتداركها. فتقضي عليه. بينما لو كان متعرفا على أعراض المرض ومنبهاته ربما كان يستطيع أن يتدارك الأمر. من هذا المنطلق، كانت آيات القرآن الكريم وروايات أئمة الهدى عليهم السلام، تنبه على التعريف بجوانب الشر، ومساوئ الأفعال، وعلى الأمراض النفسية، وهكذا. بل إنما نال بعض أعاظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، كحذيفة بن اليمان العنسي،[84]ما نال من خلال معرفته بالشر وخطوط النفاق والسوء وهو ما أشار إليه رضوان الله عليه بقوله: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِ"[85]. كان أصحاب رسول الله يسألون النبي عن الجوانب الإيجابية، وكنت أسأله عن الجوانب السلبية، عن الشر، عن الخطوط المنحرفة، عن الأشياء التي تؤدي بالإنسان إلى الهلاك. فمن الطبيعي، إذا تعرف على ذلك بالتفصيل، أن يحدد اتجاهه بشكل صحيح. ضمن هذا الإطار، أعني معرفة الصفات الخلقية السيئة؛ نتناول هذه العناوين لكي نعرف آلية حدوثها في الإنسان. كيف تحصل فينا؟ حتى نتقيها. ما هي الوسائل التي تنفع الإنسان في أن يجتنبها؟ ونتناول في هذه الصفحات موضوع الحسد، جوهر الحسد: أن يتمنى شخص زوال نعمة غيره، إما لتصل إليه (الحاسد)، أو حتى لو لم تصل إليه. وينطلق الحاسد عادة من رؤية أن فلانًا (المحسود) لا يستحق النعمة التي هو فيها؟ فكيف أعطاه الله هذا المال والثروة؟ أو كيف حصل له هذا الجاه الاجتماعي؟ وكيف استولى على هذا العلم؟ إنه لا يستحق شيئًا مما سبق. لو كان الأمر بيده هو لحجبها عنه. وبذلك يختلف عن الغيرة والغبطة. مع أن البعض قد يخلط بين الغيرة والحسد. إلا أن هناك فرقًا دقيقًا بينهما: فالغيرة هي: أن يملك إنسان شيئًا ما ويخشى من مشاركة آخرين له في هذا الشيء أو امتلاك مثله. فالزوجة على سبيل المثال، تظن أنها تملك زوجها. فإذا تزوج امرأة أخرى، تعتبر الأولى أن هذه الأخرى جاءت تشاركها فيما تملك، فتغار منها، وتتخذ منها موقفًا سلبيًا. ويتمنى الولد مثلا أن يصل إليه ميراث والده بتمامه. فإذا جاء أخ له، اعتبر أنه سيشاركه في ذلك الميراث، الذي كان سيصل إليه وحده، أما الآن فهناك مزاحم له فيه، فيغار منه.

--> 84 ) حذيفة بن اليمان العبسي ولد في مكة وعاش في المدينة المنورة ومات سنة 36 هجرية في المدائن. من أعاظم صحابة رسول الله، ومن النوادر الذين كانوا يعرفون المنافقين بأسمائهم، ويحددون الخطوط المنحرفة في مجتمع المدينة بشكل دقيق. وهو من النفر القلائل الذين شاركوا في تشييع ودفن فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها. له ترجمة في كتابنا رجال حول أهل البيت ج 1. 85 . الطوسي؛ محمد بن الحسن: الأمالي 1/ 222 . البخاري؛ محمد بن اسماعيل: صحيح البخاري: 4/ 178