فوزي آل سيف
33
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وآله ما صعد المنبر إلا وقرأ هذه الآية المباركة[63]، وفي هذا بيان على أهمية المعاني الكامنة في هذه الآية المباركة. وتتناول هذه الصفحات بيان النتائج المترتبة على بذاءة اللسان. فلو كان شخص بذيئا سليط اللسان، فاحش القول، سبّابًا، شتّامًا، لا يوقِّر في كلامه سامعه، ولا يوقِّر المكان الذي هو فيه. فما هي النتائج التي تترتب على هذه الصفة: وهي بذاءة اللسان؟ لقد ذكر العلماء أن هناك 30 ذنبًا!! مرتبطًا باللسان التفتوا إلى هذا الرقم[64]! أي من الممكن أن أرتكب بلساني هذا 30 ذنبًا، بعضها من كبائر الذنوب. وقد ذكرها العلماء، في كتبهم الأخلاقية؛ وأحد تلك الذنوب، هو: البذاءة، والفحش، والسباب، وما يرتبط بها. فلننظر إلى نتائج ذنب واحد، وخصلة سيئة واحدة في اللسان، حتى يتبين لنا ما الذي تصنعه أيضًا باقي الذنوب الثلاثين، لو اجتمعت، والعياذ بالله. فمما يذكره القرآن الكريم، أولًا، في الآية المباركة: فساد الأعمال وتراكم الذنوب. فالإنسان الذي يتورط في الفحش، وفي البذاءة، والسباب، سوف يُراكم على نفسه ذنبا بعد ذنب. حتى عندما استغرب بعض المسلمين من أن اللسان تستغيث منه الجوارح، وتستجير بالله منه. من الروايات أن: الجوارح تضج إلى اللسان وتستغيث به في كل يوم، أي حسب تعبيرنا، تقول له: بعرضك يا أيها اللسان، بمروءتك، لا تورطنا في نار جهنم. فأحدهم يسأل النبي صلى الله عليه وآله: "أَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللِّسَانِ؟ قَالَ: وَهَلْ يكبُّ النَّاسُ فِي نَارِ جَهَنَّم عَلَى مَنَاخِرِهِم إِلَّا حَصَائِدَ أَلْسِنَتِهِم". أي: هل هناك شيء آخر يوصل الإنسان إلى نار جهنم، مكبوبًا فيها على وجهه، إلا ما يحصده بلسانه: من غيبة، ونميمة، وتهمة، وفاحشة، وسيئة، وقول بالكذب، وبهتان على آخرين، وإعلام كاذب، إلى غير ذلك. هذه حصائد الألسنة. 1/ فأول تلك النتائج: فساد العبادة وتأخر استجابة الدعاء. في مقابلها الآية المباركة تعرض الصورة الحسنة: (وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) فماذا يصنع بكم؟ (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). وأمّا على مستوى الروايات فسأنقل لكم منها ما جاء في المستدرك على الصحيحين[65] للحاكم النيسابوري. فقد أورد فيه رواية أن النبي صلى الله عليه وآله قيل له: إنَّ فُلانَةَ تُصَلِّي اللَّيْلَ وتَصُومُ النَّهارَ وفِي لِسانُها شَيْءٌ يُؤْذِي جِيرانَها سَلِيطَةٌ، قالَ: «لا خَيْرَ فِيها هِيَ فِي النّارِ». كانت هذه المرأة متعبدة، تقوم الليل وتصوم النهار، لكنها سليطة لسان، مثل أنها عندما تخرج زبالة بيتها تشتم جيرانها وتتهجم عليهم، أو أنها إذا غضبت أطلقت للسانها العنان، وهذا قد يبدو شيئًا بسيطًا بالنظر إلى ما كانت عليه من أنها (تصوم النهار وتقوم الليل)!، لكنه صلى الله عليه وآله قال عنها: هذه، لا خير فيها! هي في النار! لتقبيح وتشديد هذا الذنب. وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "مَنْ خَافَ النَّاسَ لِسَانَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شره"[66]. فهناك قسم من الناس يقول لك محذرا إياك: لا تقترب من هذا، فهو لا
--> 63 السيوطي؛ لدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/٦٦٧ 64 ) منها االكذب والخوض في الباطل والغيبة والنميمة والمراء والجدال والخصومة بالباطل والفحش والسب وبذاءة اللسان والغناء والسخرية والاستهزاء وإفشاء السر وشهادة الزور وقذف المحصنات والمؤمنين وغيرها! 65 ) النيشابوري؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين 4/ 183 66 ابويه؛ محمد بن علي بن بابويه الصدوق: من لا يحضره الفقيه 4/ 353 وكذلك رواه الكليني في الكافي ـ المقطع الأول ـ 2/ 327