فوزي آل سيف

165

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

وعن المعلى بن خنيس قال: رآني أبو عبد الله عليه السلام وقد تأخرت عن السوق، فقال: أُغدُ إلى عزّك. عن فضيل الأعور قال: شهدت معاذ بن كثير وقال لأبي عبد الله عليه السلام: إنّي قد أيسرت فأدع التجارة؟ فقال: إنّك إن فعلت قلّ عقلك! اليأس والقنوط (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)[376] اليأس والقنوط، هو المقابل المضاد للرجاء والأمل. فالذي يرجو رحمة ربه، يقابله اليائس منها وهكذا فمن يمتلك الأمل بالفرج وانكشاف الهموم، يقابله القانط الذي لا يتوقع الخير أبدا! واليأس والقنوط من الأمراض تكشف عن نقص إيماني كبير عند من تعرض عليه. وربما يتصور البعض أن اليأس والقنوط مختص بالذنب وما يترتب عليه من العذاب، أو شمول الرحمة الإلهية. بحيث يرى الشخص نفسه مذنبا فييأس من شمول رحمة الله له، ويقنط من ذلك. إلا أن المتأمل في المعنى يرى أن القنوط واليأس قد يكون عاما في الحياة، وأن هذه الصفة عندما تتملك إنسانا تفسد عليه أمور حياته كلها، وأنه لا اختصاص بها بالأمر الديني. بل إن السياق الذي جاءت فيه الآية المباركة هو في أمر دنيوي! على أن رحمة الله التي وسعت كل شيء واليأس منها يعني اليأس من انفتاح أبواب الخير في كل المجالات؛ من الرزق والعلم والذرية والرفاه وغيرها.. إن السياق[377]الذي جاءت فيه الآية المباركة هو أن الملائكة بشرت نبي الله ابراهيم بغلام، فكأن هذا كان تذكرة له بأن عمره بات كبيراً! وعندما أشاروا إليه بأن لا يكون من القانطين نفى ذلك لهم، وعلله بأنه إنما يقنط من رحمة الله ونعمته ورزقه لا بد أن يكون ضالا غير مصيب للمعرفة الصحيحة بالله. وبشكل عام. فإننا بملاحظة اجتماعية قد نجد أناسًا، يطبع حياتَهم التفاؤل، ويعيشون مع الرجاء، ويتميزون بالتوكل على الله، والثقة بتقديراته، فهم حتى لو كانوا في أسوأ المشاكل، وأعقد المعضلات يعتقدون جازمين؛ أن رحمة ربه قريب من المحسنين. وأن الله سبحانه وتعالى هو فارج الهم وكاشف الكرب من حيث كان يحتسب هؤلاء أو لا يحتسبون.

--> 376 الحجر:56 377 ) الحجر: 53ـ 56 (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (*) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (*) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (*) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).