فوزي آل سيف

151

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

أما لماذا كون هذا الشخص عن أمر الآخرة أكسل؟ فذلك قد يكون لأنه إذا كان عن متطلبات الدنيا واحتياجاتها وضغوطها الحاضرة والفعلية (من الحاجة للطعام والكساء، والانفاق على الزوجة والعيال) لم تكن دافعا له للنشاط والعمل والكسب، فإن الآخرة والمفروض أن ضغوطها ومتطلباتها مؤجلة لن تكون دافعا له، وإذا كان عن هذه الحاجة الفعلية عاجزا فهو بلا ريب عن الحاجة المستقبلية البعيدة أعجز! وفي حديث الامام موسى الكاظم والذي نقله[346]عن أبيه الإمام جعفر الصادق عليهما السلام " قَالَ أَبِي لِبَعْضِ وِلْدِهِ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ مِنْ حَظِّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " فالكسل والضجر يمنع الإنسان من حظ الدنيا والآخرة. وأما إذا وصل الكسل إلى حد الفراغ والنوم بحيث لا يكاد صاحبه يستيقظ إلا لكي ينام! فإن هذا مهدد في أن يذهب دينه ودنياه! ففي الخبر عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "كَثْرَةُ النَّوْمِ مُذْهِبَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا"[347] أو " مَذهبة". فحتى العبادات تحتاج إلى مستيقظ، وأما من يغط في نومه فلا هو حائز حظ الدنيا ولا الآخرة. وفي آخر عن الإمام الكاظم: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْعَبْدَ النَوَّامَ الفَارِغَ". وفي مقابل ذلك فقد تم التأكيد على التبكير في الاستيقاظ بما يحمل من معنى النشاط والاستعداد للعمل. التبكير بذاته ـ بغض النظر عن أن وقت عمله الرسمي سيبدأ بعد ساعة ونصف من ذلك الوقت المبكر ـ مطلوب ومرغوب فيه، وقد حثت عليه الروايات، وربطته بسعة الرزق وأن قسمة الأرزاق هي بين الطلوعين ـ الفجر والشمس ـ.. وقد يكون الأمر غيبيًا بمعنى أن الله سبحانه قد قضى لمن يستيقظ في ذلك الوقت مقدارًا من الرزق أكثر مما لو لم يكن قد استيقظ! وقد يكون الأمر طبيعيًا وعاديًا مما يشاهده الإنسان بالوجدان من أن الناجحين في حياتهم (من العلماء والتجار وغيرهم) هم الذين يبكرون في عملهم ويبادرون إلى نشاطهم العلمي أو الاقتصادي ويكتشفون الفرص، ويكون لديهم الوقت الكافي لإنجاز مشاريعهم بخلاف أولئك الذين يستيقظون بعدما مضى ثلث النهار![348] وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم الحَاجَةَ فَلْيُبَكِّرَ إِلَيْهَا. فَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَارِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا" وهو راجع إلى أحد الأمرين السابقين. كما تم التأكيد على السعي في طلب الرزق بل والحركة والاغتراب لو تطلب الأمر، على خلاف ما يريده البعض من أن يكون عمله عند بيته وإلا فلا يعمل! وبدلا من ذلك يريق ماء وجهه بالسؤال لأنه يريد عملًا مفصلًا على مقاسه وفي منطقة قريبة من بيته! ويقول لك بعد ذلك بحثت عن عمل فلم أجد! ويقصد

--> 346 أحيانا ينقل الامام حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله، أو عن أحد آبائه من الأئمة، ومع اعتقادنا بأن كلامهم واحد من حيث حجيته ولزوم الأخذ به قد يثير سؤالا عن الهدف من نقله عمن سبقه ! والجواب عن ذلك متعدد؛ أحد أوجهه أن الامام عليه السلام يريد بيان أن هذا المضمون مما هو من الخطوط المشتركة في التأكيد عليها، والاهتمام بها سواء بين الأنبياء أو بين الأوصياء. 347 الكليني ؛ الكافي- ط الاسلامية 5 / 84 348 أحدهم كان يعلق تعليقا لطيفا، يقول: أنا أتعجب من بعض الناس ممن يبقى نائما إلى الساعة الثامنة صباحا، ثم يكتب في عنوانه، أو حالته، في تويتر، والفيسبوك او غيرها: اللهم ارزقني قصرا في الجنة! هو نائم للساعة الثامنة، ويريد قصرا الجنة. فيعلق هذا عليه بقوله: إذا وجدت موقفا فارغا لسيارتك في دوام عملك فاحمد ربك، وليس قصرا في الجنة. إنك مع هذا التأخر في النوم قد لا تجد موقفا لسيارتك! وأنت تفكر في قصر الجنة؟