فوزي آل سيف
149
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
الكسل في أمر المعيشة عن أبي الحسن، موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: (قَالَ أَبِي لِبَعْضِ وِلْدِهِ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ مِنْ حَظِّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)[339]. الكسل كما عرفه علماء اللغة: التثاقل عن الشيء الذي يحسن الانبعاث إليه. فمثلا يفترض أن ينبعث الإنسان إلى رزقه بالحركة والسعي، لكنه يتكاسل عنه ويتثاقل. والعلم هو كذلك من الأمور التي يحسن الانبعاث إليها، فإذا تثاقل الإنسان عن طلب العلم والمعرفة، عد ذلك كسلا. ومثلهما في لزوم الانبعاث أو أكثر، العبادة والتوجه إلى الله عز وجل فإذا تثاقل المرء عنها، عد ذلك كسلا. وهكذا. أما لو لم يكن يحسن الانبعاث إليه كالمعصية، فلا يعد ذلك كسلًا ولا مذمومًا، بل يمدح المتثاقل عن المعصية والرافض للانبعاث إليها. ويرتبط تقبيح الكسل وذمه، وتقريع الكسول بالثقافة السائدة في المجتمع. فربما يكون الكسل عند بعض الناس شيئًا حسنًا، وتعبيرا عن الراحة في الحياة، فقد ترى أحدهم عندما يريد أن يصف حياته الهانئة يقول: الحمد لله أكل ونوم، فأنا مرتاح لدي من الأموال ما يكفي فلا أسعى لشيء! بينما هذا المفهوم نفسه في الثقافة الدينية مذموم، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام الذي يقول (فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها).[340] وقد تكون هذه الفكرة من بقايا الثقافة الجاهلية، التي كان الكسل فيها بالنسبة لبعض فئاتها مدحا فإذا بالمرأة عندهم تمدح بأنها مِكسال أو أنها نؤوم الضحى!، بل لعل طابع الحياة العربية قبل الاسلام كان على هذا النحو يتساوى في ذلك الرجال والنساء؛ فإن " حياة البادية في غاية البساطة ساذجة إلى أقصى حدّ من السذاجة. تذهب وتأتي على وتيرة واحدة ونمط واحد. فليس للرجل في البادية من عمل سوى رعي الإبل والإشراف عليها. وهو عمل لا يستوجب مجهودًا ولا يتطلب بذل طاقة، لذلك يعهد به إلى الأحداث في الغالب، أما الرجال، فليس لهم عمل مهم يذكر. لذلك يقضون معظم وقتهم جلوسًا بغير عمل، أو في التحديق بعضهم إلى بعض. وحياة على هذا النحو تجبل الإنسان على الكسل والخمول. فصار الأعرابي خاملًا كسولًا على صحة جسمه وتوقد ذهنه وذكائه. يحسن الكلام ويجيد تنميق الحديث ويتلاعب في كلامه وفي إيجاد معانٍ وحيل ومخارج له".[341]فما دام لا يوجد هدف دنيوي واضح يتم السعي له كما هو الحال في المجتمعات التي تتنافس في العلم والمعرفة[342]، أو هدف ديني يشحذ الهمم والإرادات.. فما الذي يغير حياة الكسل؟ إلا أنه مع مجيء الاسلام تغير الحال، وصار النشاط هو طابع المؤمنين به، والحيوية علامة لهم، ولهذا استطاعوا مع قلة عددهم وضعف قواهم أن يهزموا المجتمع والنظام الجاهلي لصالح النظام الذي جاء به القرآن.
--> 339 البروجردي ؛ السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة 14 / 78 340 الامام علي بن أبي طالب: نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة 3 /81 341 علي ؛ د. جواد: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8 / 197 342 من جملة ما ذم به الحطيئة جرول، الزبرقان بن بدر أن قال له: دع المكارم لا تذهب لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي