فوزي آل سيف

141

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

قد تنعكس الصورة، فيكون الأب والأم مظلومين من أولادهما! وأول أمثلة الظلم: التحكم فيه عندما يكبر، فيتصور بعض الأبناء أنه ما دام الأب قد كبرت سنه، فلا بد أن نديره ونعين له ما يريد وما لا يريد.. نعم عند ما لا يلاحظ الأب أو الأم مقتضيات الصحة، فيما يضره وما ينفعه، فهنا لا بأس من العناية به والشفقة عليه، لكن هذا شيء وأن أعتبره مثل الأطفال، وآمره وأنهاه! وأتحكم فيه كما أصنع ببعض ولدي فهذا مخالف للإنصاف والاحترام لمقام الوالد. ومن أمثلة الظلم التي قد تحصل: حرمان الأبوين من حياتهما الزوجية. إذ يحصل أن الوالد مثلا، تتوفى زوجته أم الأولاد، وعمره الآن سبعون سنة مثلا، فيفرض هؤلاء الأولاد على أبيهم ألّا يتزوج. (وفي بعض الحالات تكون البنات أشد)؛ فكيف تأتي امرأة وتأخذ مكان أمنا الغالية العزيزة؟! هذا من الظلم الشنيع فإن أباهم كأيّ رجل له حاجات في الرعاية والعناية، بل وفي الرغبة الجنسية، ولو بمقياس عمره! فمنعه من ذلك والوقوف أمامه يعتبر عقوقا له وتعديًا على حقه وظلمًا في شأنه! وقد يطوي هذا الرجل رغبته وإرادته لسبب أو لآخر إلى أن تنهدم صحته وتتداعى وتتراجع رغبته في الحياة. ولا سيما إذا كان اعتمادهم في ذلك على الحجة السخيفة والباطلة: ماذا يقول الناس عنا؟ فهم يتحكمون في رغبات والديهم وطريقة حياتهم لا لأن مصلحة الوالدين هكذا ولا لأن الفكرة سيئة وإنما لأن فلانا سيقول كلامًا عنهم هم!! أرأيت عزيزي القارئ كيف يحطمون حياة والديهم ومشاعرهم لسبب تافه؟ وأما بعض الامهات لو أبدت رغبة في الزواج بعد وفاة زوجها (والدهم) فلها الويل وعليها التثريب والتقريع! وكأنها تقوم بجريمة الزنا![322] لقد تزوج كثير من النساء العظيمات ذوات الشأن الكبير في الاسلام بعدما توفي أزواجهن ولم يتحكم فيهن أبناؤهن ولم تمنعهن بناتهن، ونورد مثالًا على ذلك المرأة الصالحة أسماء بنت عميس - رضوان الله تعالى عليها ـ فهي زوجة جعفر الطيار عليه السلام وهو أبو عذرها، وكانت معه في الحبشة إلى أن جاءا المدينة واستشهد جعفر في غزوة مؤتة، وكان عمر ابنها عبد الله حينئذ بحدود تسع سنوات، فتزوجت الخليفة أبا بكر وبعدها بخمس سنوات، توفي عنها زوجها، وكانت قد أنجبت ابنها محمدا بن أبي بكر. فتزوجها أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام وكان عمر عبد الله ابنها آنئذ بحدود خمسة عشر سنة ولم يأت عبد الله ليقول لأمه: ليس لك أن تتزوجي! وأنك كم تتزوجين وإلى متى؟. لهذا نقول إننا عندما نتحدث عن الظلم وشناعته والوعيد بالعقوبة على فعله، فإننا لا ينبغي أن نفكر فقط في ظلم فرعون ونمرود، وإنما قد نكون نحن مرتكبين للظلم وممارسين لها، ونحن من الظلمة الذين يبغضهم الله ولا يحبهم (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فهذا من الظلم في حق الآباء والأمهات. وقد يتحكم الإخوة في مصير أخواتهم بنفس الطريقة السابقة. ولا سيما إذا تقدمن في السن. مع أنه لا ولاية من الناحية الشرعية للأخ على أخته ولا بمقدار قلامة ظفر وسواء كان والدها أو جدها موجودًا أو

--> 322 ) شكت إحدى النساء، قائلة: عمري 45 سنة، حينما اختار الله زوجي وتوفي، لدي أبناء بعمر 22 سنة، و23 سنة، أنا بحاجة من الناحية المادية والرعاية، ومن الناحية الجنسية أيضا، والمال مهما وفره الأولاد فهم يفكرون في الزواج به.وحين فكرت في الزواج لأن أحد الأشخاص تكلم فيه، قال أحد الأولاد، بهذه الصفاقة: أي أحد يتقدم لخطبتك سأشق بطنه بالسكين!.. أقول: هذا ليس ظالما فحسب بل هو مجرم! هذا مجرم خلط الجاهلية بالحماقة!.