فوزي آل سيف
139
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
التمييز الظاهري بينهم من غير جهة مسوِّغة، وإظهار تفضيل بعضهم على بعض مما يؤدي إلى ايقاع الخلاف والفتنة بينهم فلا يجوز ذلك وإنما قيدناه بالإظهار لأن التفضيل القلبي في المحبة ليس باختيار الإنسان. وإنما إظهار ذلك بأن يهبه أرضا مثلا دون باقي الأولاد، أو يقسم له ضعف ما قسم للباقي. وفي بعض روايات مدرسة الخلفاء، حكت عن أن النبي صلى الله عليه وآله قد رفض أن يشهد على وثيقة كان فيها تفضيل لبعض أبناء الصحابة على الباقين، وعللت رفضه بأن هذا جور والنبي لا يشهد عليه، فعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ[314]، قالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أبِي بِبَعْضِ مالِهِ، فَقالَتْ أُمِّي -عَمْرَةُ بِنْتُ رَواحَةَـ لا أرْضى حَتّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فانْطَلَقَ أبِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَ عَلى صَدَقَتِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أفَعَلْتَ هَذا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟»، قالَ: لا، قالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا فِي أوْلادِكُمْ»، فَرَجَعَ أبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ).[315] وقد استفاد بعض شراح الحديث[316]من علماء مدرسة الخلفاء أن تخصيص بعض الأولاد بشيء دون البعض الآخر، هو بحسب هذه الرواية جور وهذا التعبير يعني الحرمة، لا سيما وأن النبي رفض أن يشهد عليه، وأمر بالتقوى والعدل في الأولاد، بينما استفاد قسم آخر الكراهة المشددة، ورأوا أن مقام النبي لا يسمح له أن يشهد على ما فيه حيف وميل ولو لم يكن بمقدار الحرمة، خصوصًا وأنه في نقل آخر أمرهم بأن يستشهدوا غيره ولا معنى لأمره إياهم أن يستشهدوا غيره لو كان حرامًا. وأما عند الامامية[317]فإنه يمكن فرض "صور متعددة: 1ـ لو تميّز أحدهم ببعض المرجّحات فقد يستحبّ الترجيح، بل قد يجب مع الأمن من المفسدة، كما لو كان أحدهم فقيرًا، أو مريضًا، أو عاجزًا عن الكسب، أو مشغولًا بطلب العلم، أو نحو ذلك من المميّزات. 2ـ ترجيح الورثة على بعض- في الهبات و التمليكات الصلحية أو البيوع المحاباتية - جور وإجحاف على باقي الورثة، كما في كثير من الأخبار، وهو مكروه كراهة شديدة تكاد تلحقه بالحرام. 3ـ قد يبلغ الحرمة إذا استلزم حصول الشحناء والبغضاء بين الإخوة و الأولاد". ربما لا يستطيع الإنسان أن يساوي بالضبط في عواطفه بين كل أولاده، فقد يجد في بنته عاطفة أكبر تجاهه وحنانا أعمق، وقد يجد في ابنه فلان يده المعينة وعينه المبصرة، بينما قد لا يمتلك باقي الأولاد هذه الميزات أو غيرها ومن الطبيعي أن يميل إلى ذوي الميزات، ولكن هذا لا يبرر له إظهار هذا لا سيما في بعض صوره الفاقعة التي ربما جلبت الحسد في نفوس الباقين، أو أثارت بينهم الخلاف والشقاق والأحقاد. بل إن هذه الممارسة لتصل في بعض درجاتها إلى مستوى الظلم، لا سيما إذا ترافقت مع تعمد حرمان أحد الأولاد (ابنًا أو بنتًا) كأن يكون مبغضا لأمه فيقع الظلم على ابنها!
--> 314 النعمان بن بشير الخزرجي الأنصاري: من الانصار القلائل الذين تحالفوا مع الدولة الأموية، وكان في صف معاوية من أيام الإمام أمير المؤمنين (ع) " فقد استعمله معاوية عَلَى حمص، ثُمَّ عَلى الكوفة، واستعمله عليها بعده ابنه يزيد، وَكَانَ هواه مع معاوية وميله إليه وإلى ابنه يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد دعا الناس إلى بيعة عبد الله بن الزبير بالشام، فخالفه أهل حمص، فخرج منها، فاتبعوه وقتلوه، وَذَلِكَ بعد وقعة مرج راهط، سنة أربع وستين" كما في أسد الغابة. 315 النيشابوري؛ مسلم : صحيح مسلم 5/ 65، كتاب: الهبات، باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 316 رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام ٤/٤٦٢ تاج الدين الفاكهاني 317 ) كاشف الغطاء؛ الشيخ محمد حسين: تحرير المجلة 3/ 106 ـ 108