فوزي آل سيف

130

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

ومن المناسب هنا أن نقف قليلا أمام هذه الرواية لنقتطف منها ثمارًا: أ/ إن نقل الإمام أبي عبد الله الصادق وهو المعصوم، عن أبي ذرّ (شيئًا من العلم) ليدل على مرتبة أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه العالية في مدرسة أهل البيت ولدى أئمتهم عليهم السلام، في مقابل الاتجاه الرسمي للخلفاء الذي يحاول اظهار أبي ذر الغفاري باعتباره شخصية فوضوية مسببة للمتاعب، ولم يكن له حظ من العلم حتى أن بعض الصحاح اقتصرت على نقل حديثين (!) عنه، في الوقت الذي نسب لأمير المؤمنين عليه السلام قوله إنه (وعاء ملئ علمًا)! ب/ إن أبا ذر يعلم أن (العلم كثير) ولكنه يعظه بما هو مناسب له في مسيرة حياته، فإننا في الوقت الذي نرى البعض لا يرى (العلم) في غير الأمور النظرية المجردة، التي لا تؤثر في حياة الإنسان الاخلاقية ومصيره الأخروي.. يرى أبو ذر أن هذا هو العلم الطريف! ج/ نصيحته السائل بأن لا يسيء إلى أحب الناس إليه ولا يؤذيها! وهذا من الأساليب المثيرة للاهتمام والمبقية للموعظة في الذهن ولذلك أعاد السائل الكلام متعجبا: ويؤذي الإنسان أحب الناس إليه؟! قال: بلى، نفسك التي بين جنبيك. لا تؤذ نفسك، لا تظلمها بأن تأتي يوم القيامة وقد عملت أعمالًا سيئة، فتعرضها للعذاب. وقد أشار القرآن الكريم صراحة إلى أن الظالمين لا يظلمون غيرهم في الواقع، وإن كان الظاهر يشير إلى ذلك، وإنما يظلمون أنفسهم بتعريضها للعذاب الأبدي! وقد كان ينبغي أن يحرصوا على نجاة أنفسهم.(وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).[290]وكذلك فإنه سبحانه وتعالى حين ينفي عن ذاته المقدسة الظلمَ ينسبه إلى فعل العاصين بأنفسهم ذلك (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).[291] 3/ وقد يكون الظلم للغير في الحياة الاجتماعية. وهذا هو ميدان الحياة، والإنسان معرض فيه للامتحان طيلة عمره وربما على مدار اليوم! ففي داخل الأسرة قد يظلم الزوج زوجته، أو الزوجة تظلم زوجها، والأب أبناءه، أو يظلم الأبناء أباهم. والأخ الأكبر سائر اخوانه أو عكس ذلك، وفيما بين الأقارب.. وكذلك الحال في خارج الأسرة، فقد يكون لديك عامل، (أو لديكِ عاملة) فيؤخر راتبه عن وقته، أو أسوأ من ذلك حين يجحده حقه، أو يستعمله بما لم يكن في ضمن الاتفاق بينهما من غير رضاه! أو يمنعه من الترقي المستحق له في الرتبة والراتب.. وقد تنعكس المسألة في بعض الأحيان بظلم العامل رب العمل، عندما يقصر في العمل الموكل إليه، أو بالغش فيه، أو وهو الأسوأ بسرقة شيء من المتاع. وقد يكون الظلم بين الرعية وحاكمها عندما يستبد بالأمر دونها، أو يحتجب أموالها. أين تمت لعنة الظالمين؟ من الطبيعي أن نجد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي توبخ الظالمين وتحذر من الظلم، إلا أن من الأمور الملفتة للنظر والمستوقفة للتأمل، هي أنه تم ذكر الظالمين باللعنة في مواضع هي أوج تجلي قدرة الله سبحانه مع أنه - بحسب الظاهر - لا توجد مناسبة ظاهرية بين هذا النداء والذكر وبين المناسبة والموقف، ولنورد بعض الأمثلة على ذلك:

--> 290 البقرة: 57 291 ) يونس:44