فوزي آل سيف

124

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

هذا الغضب من موسى النبي عليه السلام غضب محمود وحسن. ولو لم يغضب لكان الأمر غير طبيعي على الاطلاق. الغضب الذي يشعر به المصلحون من أجل إصلاح أحوال الأمة هذا غضب محمود. فليس كل غضب سيئاً. إنما الغضب الشخصي إذا كان بسبب أمور بسيطة هو غضب مذموم. كأن تمشي في الطريق ويصطدم بك أحدهم ممن يكون مشتت الفكر لمشكلة عنده! أو قلة التفات! فتغضب منه وتتجهز للمواجهة معه، هذا الغضب لا يمكن أن يكون ممدوحًا. ولو قال أحدهم ـ لاشتباه عنده أو انفعال ـ كلمةً سيئةً في حقك! فهل يسوقك الغضب لأن ترد عليه كما يقول بعضهم: إذا تُسمعني كلمة؛ أسمعك عشرة؟! لو حصل هذا فلا يمكن أن يكون غضبك ممدوحًا! لماذا يغضبون؟ قد تتعجب عندما تسمع أن شخصًا أخذه الغضب بالطول والعَرض حتى خسر حياته الزوجية، ثم تفتش عن السبب الذي أثار غضبه فتراه سببًا تافهًا لا يستحق التفكير فيه فضلا عن تهديم الحياة الزوجية! وأحيانا تسمع عن جريمة قتل حدثت ثم تسمع عن أن سببها هو النزاع على لعبة من الالعاب الالكترونية! فما هي الأسباب التي تجعل هؤلاء يغضبون إلى هذه الدرجة؟ 1/ من الأسباب التي تثير غضب البعض: الرغبة في الإخضاع حين لا تسير الأمور كما يحب الغاضب. وهذا راجع في جزء منه إلى تعاظم حب الذات عنده بحيث يجب أن تسير الأمور كما يشتهي. فإذا لم تسر الأمور هكذا لأن لكل أمر ظروفه ومعادلته الخاصة، فإن الواحد منهم يتوتر ويغضب ويصب غضبه على من هو مسؤول في ذلك! فتراه يتجهم ويتوتر حتى لأن الطريق مزدحم أثناء توجهه لعمله ولو عارضه شخصٌ في هذه الأثناء ولو بالخطأ وأخذ مكانه، فإن لن يسلم من نظرات الغضب وألفاظ السباب وربما نزل إليه (ليؤدبه!)، إن المفروض في رأيه أن يسيروا على جانب الطريق حتى يعبر هو بسرعة! فكيف يقوم أحدهم بسد الطريق عليه؟ إنها خطيئة لا تغتفر! مثل هؤلاء يتساءلون بغضب: كيف حصل هذا؟ ومن الذي فعله بهذا النحو؟ حتى لو كان حصوله بذلك الشكل هو الحالة الطبيعية، لكنها غير مرضية بالنسبة له، لهذا يستنكر ويتوقع أنه كان ينبغي أن يحصل الأمر بالنحو الذي كان يريده هو! 2/ الاحساس المفرط بأنه تم التعدي على كرامته؛ وأنه لا يمكن أن يسمح بذلك مع أن القضية قد لا تستحق ـ عند غيره ـ ذلك المقدار من الغضب. فلو تجاوز أحدهم على مكانه في الصف، وتقدم عليه من أجل أن يشتري ربطة خبز، فقد يقيم معركة دونها داحس والغبراء، وقد نقلت بعض الجرائد حصول جريمة قتل بسبب النزاع على ذلك.. بينما عندما يناقشها أحد (العقلاء) يرى ان حدودها هي خمس دقائق زادت في مدة انتظاره وأن ذلك لا يستحق معركة قد يتضرر فيها! لكنه هنا لا ينظر إليها بمنطق الدقائق الخمس، وإنما بمنطق أنه أهانه وتعدى على كرامته! وسلبه حقه.. الى غير ذلك. عندما يقول لزوجته أو تقول له كلامًا قاسيًا! لا يقول إن هذه كلمات لا تلبث أن تتبخر مع الريح، وتختلط بترليونات الذبذبات الصوتية في عالم الدنيا لكيلا يبقى منها عين ولا أثر.. وإنما يرى أن شخصيته (!) قد أهينت. وكرامته قد حطمت وأن الموت خير له من الحياة بعد ذلك، فإذنْ لا بد أن ينتقم لنفسه، ويرد