فوزي آل سيف
110
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
الشك وسوء الظن في المجال الاجتماعي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا).[245] تتناول هذه الصفحات موضوع التشكيك في المجال الاجتماعي، فقد يسيء الشخص الظنَّ في عموم أبناء المجتمع، فلا يعتقد أنهم متدينون صادقون، وبناء على ذلك فهو دائما شاك في معاملته معهم! يخشى منهم أن يغشوه أو يسرقوه أو يخدعوه.. وهذا الصنف من الناس غير طبيعي. وكأنه يريد أن يقول ـ بطريق غير مباشر - أن الصالح الوحيد في هذه الدنيا هو أنا. وأما الباقي من الناس فهم مراؤون في عبادتهم، وغير صادقين في معاملتهم. وقد يقول ذلك بلسانه أو لا يقول إلا أن موقفه العملي التشكيكي وسوء الظن منه في عامة الناس، ينتهي إلى هذا الفكرة. مع أنها لا تتفق مع الواقع. الواقع الاجتماعي يقول إنه كما يوجد في هذا المجتمع - بل في كل مجتمع - سيئون، فإنه يوجد ـ ولعلهم الأكثرية الغالبة - أناس طيبون. ولأن الواقع هو كذلك، فقد أُمر الإنسان ضمن التوجيهات الدينية بأن يتعامل مع سائر الناس على ظاهرهم وألا يفتشهم.[246] نعم تم الاستثناء في موارد؛ وطلب من الشخص ألّا يستسلم لحسن الظن، وإنما يحتاط ويدقق فمنها: فيما إذا كان حال الزمان حال خديعة، والفساد هو الغالب على الناس فهنا ينبغي الاحتياط. مثلا بأن يكون 70% من الناس منحرفين، ويقوم أمرهم على الغش والخديعة، فلا بد من التدقيق وسبب ذلك أن " صَرْعَةَ الاسْتِرْسَالِ لَا تُسْتَقَالُ " كما ورد عن الامام الصادق عليه السلام و«إذا كان الغدر طبعاً فالثقة بكلّ أحد عجزٌ»[247]. ونحن نعلم أن الاستثناء هو على خلاف القاعدة. ومنها: ما يرتبط بالمعاملات المالية، فلا ينبغي ان يعتمد دائمًا على الثقة وحسن الظن في كل من يتعامل معه، وفي نفس الوقت لا ينبغي أن يتهمه ويشكك فيه، وإنما يحتاط لنفسه، بالتدوين والكتابة للمعاملة. فحتى لو أقرضت أحدهم خمسة دراهم. وكان مؤمنًا متدينًا، فاكتب هذه المعاملة ودوّن هذا الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)[248]. وكتابة الدين ليست تشكيكا في طرف المعاملة، وإنما هي قاعدة لحفظ الحق، جعلها الدين طريقة من طرق الاستيثاق والتوثق. ومما يرتبط بهذا الجانب، ما جاء في سورة الحجرات، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، فإن الآية لم تأمر باجتناب مطلق الظن، وكل الظن، وإنما (كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ) وتعليل ذلك: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ). فالظن المقصود هنا بالاجتناب، هو: الظن السيء. وقد أمر المؤمن بالاجتناب عنه. والظن السيء أحد نتائج الشك.
--> 245 الحجرات: 12 246 فمن ذلك قوله تعالى:(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) النساء: 94 ومنها قضية أسامة بن زيد حين قتل أحدهم بعدما تشهد! فلما أخبر النبي استنكر فعله وقال له: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ! 247 المدني؛ السيد علي خان: رياض السالكين 3/ 321 248 :282 البقرة