فوزي آل سيف
108
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
السلام، "الرِّجْسُ هُوَ الشَّكُ، وَاللهِ لَا نَشُكُّ فِي رَبِّنَا أَبَدًا"[238]، وهذا أحد التطبيقات والمصاديق للرجس وإلا فالرجس معنى ينطبق على عناوين كثيرة[239]، منها: الذنب، ومنها غيره. وهنا طبقه الإمام عليه السلام على الشك. وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام، في تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ)، قال: "شَكًّا إِلَى شَكِّهِم".[240]هؤلاء مرضى القلوب بمعنى الإباء للحق، وعدم الخضوع للهدى، إن يروا آية بينة، بدلا من أن تزيدهم هدى، مثل حال (الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)، تزيدهم شكا. ويستطيع الإنسان ملاحظة ذلك في المثال العرفي، فمن يكون لديه احتقان في فمه وحلقه، تكون رائحة فمه غير حسنة، وحتى الطعام الذي يأكله ليس ذا طعم عنده. فلو أنك تعطيه طعاما طيبا لا يحس بطعمه الحقيقي. وبدل أن يستطعمه لذيذا طيبا قد لا يستسيغه، بينما تستلذه وتستطيبه أنت صحيح البدن. وقد قال الشاعر في تشبيه لطيف: أرى الإحسان عند الحرّ ديناً وعند النّذل منقصةً وذمّا كقطر الماء: في الأصداف درّ وفي جوف الأفاعي صار سمّا وفي رواية ثالثة في تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)، قال: "بِشَكٍّ"[241]. فجعل الشك مساويًا للظلم، ورأى أن من يخلط إيمانه بشك فإنه كمن يخلطه بظلم واعتداء! يتبين من هذه الآيات المباركات وتفسير المعصومين لها أن الموقف الديني تجاه الشك موقف سلبي لا يستحسنه ولا يحرض عليه. ومن المهم أن نؤصل هذا هنا، ذلك أن الشائع اليوم أن الوضع الثقافي المعاش يعطي قيمة كبيرة للشك، وبدلا من أن يكون نقطة سلبية كما تتحدث عنه الآيات والروايات، ها هو يصبح قيمة ايجابية، وأصبح الفرد الشكاك في المبادئ الأساسية ينظر إليه كمفكر ومجدد وما شابه[242]! اليقين قيمة إيمانية كبرى وفي مقابل القيمة السلبية للشك من الناحية الدينية، فإنه تم إعطاء القيمة الكبرى لليقين، فعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، في مقام الاعتزاز والافتخار، يقول: "مَا شَكَكْتُ فِي الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ،"، "إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَغَيرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي "[243]. ولو كان الشك محمودا وخصلة علمية جيدة، لكان أمير المؤمنين عليه السلام أولى بها، بل وهو يبين الآثار السلبية للشك من إطفاء نور العقل، ومن تحوله إلى حيرة
--> 238 البروجردي ؛ السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة 1 / 186 239 قال المصطفوي في كتابه التحقيق في كلمات القرآن 4/ 56 في كلمة رجس: أنّ ما يظهر من هذه الكلمات ومن موارد استعمال المادّة في الكتاب الكريم وغيرها: أنّ الأصل الواحد فيها هو ما يكون غير مناسب وغير لايق شديدا بحيث يعدّ في الخارج عند العرف العادلة والعقل السالم مكروها وقبيحا مؤكّدا. وهذا الأصل له مصاديق: كالقذر والنجس والخلط والوسخ وكل ما يستقذر والصوت الشديد الخارج عن الاعتدال أو الصوت المكروه والشكّ والكفر واللعنة وما يرتفع في القبح وما لا خير فيه. 240 المجلسي ؛ بحار الانوار 22/ 68 عن تفسير القمي، ومثله في تفسير القرطبي 8/ 299 241 الكليني ؛ الكافي 2/ 399 242 ) لبيان الفرق بين الشك المنهجي، والتشكيك النفسي يمكن الرجوع إلى كتابنا: التشكيك كيف واجهه أهل البيت. 243 الري شهري ؛ ميزان الحكمة 2 / 1500 وكذا الاحاديث بعده