فوزي آل سيف

85

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

تتناول هذه الصفحات عرضاً خاطفاً عن حياة صحابي عظيم، عاصر سبعة من المعصومين، وكان على خط استقامة وأنفق حياته التي تجاوزت تسعين سنة في إطار الإسلام والانتماء إلى الخط الصحيح فيه عندما تعددت الخطوط والتيارات. ذلك هو جابر الأنصاري. من هو جابر بن عبد الله الأنصاري؟ هو جابر بن عبد الله بن حزام الخزرجي الأنصاري رضوان الله عليه، توفي سنة 78 هجرية، أو 74 هـ حسب اختلاف المؤرخين، لكنّ الاتفاق على أنهُ كان من أعاظم المخلصين لرسول الله صلى الله عليه وآله والموالين لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم. بيعته لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة الثانية يبدأ ذكر جابر بن عبد الله ضمن السبعين الأوائل الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله في بيعة العقبة الثانية، فحينما بدأ النبي بدعوته المقدسة كان يستفيد من موسم الحج حيث يفد الناس من مختلف الأماكن إلى مكة ومنى للحج وهناك يقوم النبي بدعوتهم إلى الدين وتعريفهم بالإسلام، وكان قسم منهم يستجيب كأهل المدينة الذين آمنوا في البداية وبايعوا النبي وكان هؤلاء عشرة أشخاص، بعث على أثر ذلك لهم مصعبًا بن عمير، وفي السنة التي تلتها وهي السنة الثالثة عشر من البعثة وقبل الهجرة بأشهر، جاء نحو سبعين رجلا من المدينة لبيعة النبي في العقبة أيضا، وكان منهم جابر بن عبد الله الأنصاري، وكان لا يزال شابًّا حدث السن، ولعله كان أصغر الموجودين في هذه البيعة، ونحتمل أنه كان بحدود الثالثة عشر من العمر أو تزيد. علاقته برسول الله صلى الله عليه وآله منذ ذلك اليوم التصق جابر بالنبيِّ صلى الله عليه وآله في علاقة استثنائية من المحبة والطاعة، حتى إذا هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة اندمج جابر في المجتمع المسلم بكل ما يستطيع، وكان مستعِدًّا تمام الاستعداد للمشاركة في غزوة بدر، لكن أباه عبد الله بن حرام وهو أحد ممن بايع النبي لم يكن يسمح بأن تضيع عليه فرصة الجهاد في سبيل الله تحت راية النبي ولكن ما عساه يصنع وهو يعيل أسرة كبيرة كلها من النساء؟ فطلب من ابنه جابرٍ أن يكون مع النساء ويرعاهن بينما يخرج الأب إلى بدر وهي تبعد نحو 150 كيلومترا، وبالتالي سيستغرق مشوار الذهاب والعودة بالإضافة إلى وقت المعركة أيامًا فكان أن بقي جابر في المدينة، لكنه لم يفوت عليه فيما بعد بدر - وقيل أُحد - معركة أو سرية مع رسول الله صلى الله عليه وآله فشارك في تسع عشرة معركة من المعارك الأساسية والسرايا الفرعية.. وفي كل تلك كان يسجل له موقف المجاهد الصادق والمؤمن المضحي، وكان يحظى باهتمام رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن هو ليضيع هذه الفرص النادرة من الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وآله. فها هو يعمل لرسول الله صلى الله عليه وآله ومن معه وهم عائدين من غزوة ذات الرقاع بيض نعام، وحين اراد الركب الحركة تأخر عن المسير فلفت ذلك نظر النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن سبب تأخره فأشار إلى أن بعيره (بعير سوء) "فَأناخَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله بَعِيرَهُ فَقالَ: أمَعَك ماءٌ؟ فَقُلت: نَعَم. فَجِئته بِقَعبٍ مِن ماءٍ، فَنَفَثَ فِيهِ ثُمّ نَضَحَ عَلى رَأسِهِ وظَهرِهِ وعَلى عَجُزِهِ، ثُمّ قالَ: أعطِنِي عَصًا. فَأعطَيته عَصًا مَعِي- أو قالَ قَطَعت لَهُ عَصًا مِن شَجَرَةٍ- قالَ: ثُمّ نَخَسَهُ، ثُمّ قَرَعَهُ بِالعَصا، ثُمّ قالَ: اركَب يا جابِرُ. قالَ: فَرَكِبت. قالَ: فَخَرَجَ، واَلّذِي بَعَثَهُ بِالحَقّ، يُواهِقُ ناقَتَهُ مُواهَقَةً ما تَفُوتُهُ ناقَتُهُ".[236]

--> 236 ) مغازي الواقدي 1/ 399